Tarek Gara.

مقالات / 17 فبراير 2021

مقالة · 17 فبراير 2021 · 8 دقائق قراءة

هل الإنترنت مستقبل التعليم؟

كتبتُه في خضمّ الجائحة، حين انتقلت المدارس فجأةً إلى الشاشات: التعليم عن بُعد ليس وليد كورونا ولا الإنترنت، بل حلقةٌ في سلسلةٍ بدأت من البريد. وربّما كان التعلّم الذاتيّ، لا المدرسة، هو مستقبل المعرفة.

منذ اجتياح فيروس كورونا المستجدّ في دول العالَم المختلفة، كانت المدارس من أكثر المؤسسات ارتباكاً فيما يتعلّق بالتحضير، فتذبذبت بين إيقاف التعليم كليّاً وبين التأقلم لنظام التعليم الإلكترونيّ، متأثّرةً بالسياسة بشكلٍ كبير.

ذهبت معظم المدارس للخيار الثاني. كان من المنطقي لأوّل وهلة أن تتأقلم المدرسة لبديلٍ إلكترونيّ في وقتٍ لم يسمح بتواصل مباشر وجهاً لوجه أو تقارب جسديّ مع النّاس في مجموعات كبيرة ولفترات طويلة. دخل العالم في حالة هلع وذهول عندما بدأت الجائحة، ولأنّ المدارس كانت على مشارف نهاية العام الدراسيّ، كان أفضل حلٍّ بالنسبة لها أن تنتقل للتعليم الإلكترونيّ.

لكن لمّا هدأ الوضع واستأنف العالَم أشغاله و«تمتّعَ» الطلاب بعطلةٍ صيفيّة في أروقة بيوتهم، لم يكُن خيار افتتاح العام الدراسيّ الجديد عن بُعد أمراً مثالياً. مع رجوع الأمور لطبيعتها بعد انخفاض عدد المصابين ورجوع الآباء والأمّهات لعملِهم، لم يكُن من الممكن تركُ الصغار في حضرة الحاسوب والشاشة المضاءة ساعات طويلة. وكان التعليم التقليديّ في صفوف المدرسة خياراً أفضل للآباء العاملين.

لِعِلمِك، كانت أعداد الإصابات بفيروس كورونا بازديادٍ حادّ، خاصّةً بعد تخفيف التباعد الاجتماعيّ شيئاً فشيء وتأقلم النّاس مع الفيروس الذي باتَ جزءاً من حياتنا. وليس بالشيء الغريب أنّ النّاس اعتادت الفيروس، فخرجت للحفلات والتجمّعات والرّحلات والشواطئ والأعراس، مساهمين بازدياد حصيلة المرضى أضعافاً مضاعفة. لكنّ ذلك كان متوقعاً، فمن غير المعقول أن يظلّ النّاس في قبضة الحجر المنزليّ والإغلاق لسنوات، لا سيّما بعد إدراكنا أنّ الفيروس كان هُنا لِيبقى.

أصبح أمراً طبيعياً أن نفتح برنامج (زوم) كلّما أردنا أن نكلّم صديقاً أو أن نحضر درساً أو حتّى أن نأخذ دورةً تعليميّة. وهكذا بات الرجوع للمدرسة والتعليم التقليديّ أمراً مستبعداً. لكنّنا سرعان ما تأقلمنا مع الوضع الجديد. ولعلّ أحد أهمّ الأسباب لذلك أنّ التكنولوجيا والتواصل الإلكترونيّ لم تَكُن بالأمر الجديد علينا.

في شهر أيلول فتحت المدارس أخيراً، مع أخذ الاحتياطات الصحيّة اللازمة لحضور دروس الرياضيات والفنون واللغات وغيرها. وتفاقمت مشكلةٌ واحدة لتُصبِح مائة مشكلة أكبر منها. لا شكّ أنّ المعلّمين والطّلاب سيعترفون بأنّ التعلّم عن بُعد ليس أفضل بديل، مع وجود سلبياتٍ ككونه غير فعّال وغير شخصيّ ومُملّاً باهتاً.

تشتّت الطّلاب في هذه المنظومة التي تدمج التعليم عن بعد والتعليم التقليديّ، مذبذبين بين الجلوس في صفٍّ تقسّمه الكمامات والتباعد والحواجز البلاستيكيّة الشفافة وبين الشاشات في البيوت، فأصبحت المدارس عبئاً أكثر من المعتاد، ليس فقط للطلاب المجبَرين بأخذ الحذر من استقبال العدوى أو إعطائها، بل وأيضاً للمعلمين، الذين يقعون في غالبهم ضمن مجموعات الخطر من الفيروس — أمراضٌ مزمنة ومشاكل صحيّة وجيلٌ متقدّم.

إنّ التعليم الإنترنتيّ إشكاليّ، لكنّ الأمر ينطبق كذلك على التعليم التقليديّ في وسط وباء عالميّ. أنا أؤمن أنّ التعليم والتعلّم — المنظومة التعليمية — الإنترنتيّة هي المستقبل. لا أقول بأنّ المدارس ستختفي، لكنّ التعليم سيخوض تغييراً جذرياً في الطُرُق المعتادة. أوليست هذه خطوة جيدة؟

التعليم عن بُعد ليس «جديداً»

حتّى قبل أن يولَد الإنترنت، كان التعليم عن بعد موجوداً تحت مسمّى «التعليم البريديّ» — اسمٌ قد تشمئزّ منه الأجيال الجديدة، والذي اعتمد على خدمة البريد لإرسال موادّ التراسل من وإلى الطلاب.

بل إنّ أوّل مدرسة «عن بعد» في الولايات المتّحدة أُسّست عام 1873 على يد «آنا إليوت تيكنور» في بوسطن، والتي أسمتها «الجمعية لحثّ التعلّم في البيت». وفي عام 1911، أقدمت أستراليا على التجربة نفسها، وأقامت جامعة كوينسلاند قسمها المسمّى «كليّة التعليم البريديّ».

إذا ما قمنا بالنظر لهذه الظاهرة الحديثة حينها، سنرى أنّها لا تفرق عمّا نسميه اليوم «التعليم عن بعد». ويمكننا القول بأنّ التعليم عن بعد هو تطوّر عن مرحلة سابقة في التاريخ، اعتمدت على تكنولوجيا كانت متاحةً حينها: البريد.

مع تقدّم التكنولوجيا اليوم، انتقل التراسل من كونه عبر البريد إلى الرسائل الهاتفية والمنتديات والمحاضرات المسجّلة أو المباشرة. هذه النقلة النوعيّة تبدو منطقيّة في عالمٍ تتقدّم فيه التكنولوجيا لتخدم كلّ جوانب حياتنا. ومنذ ذلك الوقت، أخذ التعليم شكلاً آخر أكثر حداثة، من البريد إلى الراديو إلى التلفاز في أواخر القرن العشرين، إلى اليوم — التعليم الإنترنتيّ.

قد يبدو أنّ بعض المعلمين الذين يقفون ضدّ التعليم الإلكترونيّ يركّزون ادّعاءاتهم حول «زَيف» التجربة التعليمية والأضرار التي تلحقها بأمرين: التحصيل العلمي والفَهم العميق للمواد التعليمية. والغلط الوحيد في هذه الادّعاءات أنّها تفترض حاجتنا لإعادة قولبة التعليم التقليدي داخل قالب الإنترنت والتكنولوجيا — أو أسوأ من ذلك، أن نطبّق الأدوات التكنولوجية على التعليم التقليدي.

بما أنّ التعليم بحاجة لإصلاح وتغيير جذريّ، لا يمكننا التغاضي عن بعض الجوانب التي تخصّ طُرُق التعليم. يجب على الإصلاح أن يمسّ كلّ جوانب النظام: الأدوات والطُرُق والتطبيق والمفاهيم. التعليم ليس نظاماً صلباً ينطبق على الجميع بتساوٍ.

لم يقتصر استعمالنا للإنترنت على الترفيه والراحة فقط، فنحن نستخدم الإنترنت للتعلّم والتعليم منذ نشأته. حسب تقارير موقع يوتيوب، فإنّ مليار ساعة من المحتوى تُشاهَد كلّ يوم من قِبَل أكثر من ملياري إنسان حول العالم. إذاً لا يمكننا أن نقصي التعليم الإلكتروني كلياً، فهو يُعدّ من طرق التعليم الأكثر عمليّة ومجانيّة وإفادة.

التعلّم الذاتي: مستقبل المعرفة والعِلم

لعلّ هذا رأيٌ شخصيّ، لكنّني أرى أنّ التعلّم الذاتي أكثر فعالية من ناحية استهلاك المعلومات. فكّر بالأمر للحظة: متى كانت آخر مرة أردتَ فيها أن تتعلّم شيئاً أو تستقصي مسألةً معيّنة على الإنترنت؟ كم كان مدى تفاعلك مع ما استوعبت من المعلومات؟ كم كان مدى حفظك للمعلومات بعد مدّة من الزمن؟ خُذ معلومةً تعلّمتها في المدرسة قبل سنين طويلة — معلومةً أُجبِرْتَ على تعلّمها وحفظها رغم عدم اهتمامِك بها. هل كنت حيوياً في تعلّمها؟ هل لا زلت تتذكّرها؟

إنّ أهمّ عامِلٍ في التعلّم هو التفاعُل، فبدونه يُصبح التعلّم مملّاً ومُتعباً نفسياً، ونتيجة ذلك عَدَمُ نفعه، بصَرفِ النّظر عن الطُرُق والأدوات. لكي نصنع التفاعُل، على المعلّم أن يولّد الاهتمام لدى طلّابه. الطّالب الذي يميل لمواضيع بعينها، كالرياضيات أو الفنون، تُصبِحُ عنده المواضيع الأخرى عبئاً، وتُصبحُ التجربة المدرسيّة غير فعّالة، وهذا بسبب عدم اهتمام الطّالب بالمواضيع.

غيابُ الاهتمام يُوَلِّد غياب التفاعُل. وغياب التفاعُل يولّد غياب التعلّم.

أفضليّات التعلّم الذاتيّ

لا شكّ أنّ العَمَل في أيّ مجالٍ اليوم يتطلّب شهادةً جامعيّة، خاصّة إذا كان العَمَل في مجال العلوم الدقيقة. لكن حتّى وإنْ كان التعليم الأكاديميّ مهمّاً، على التعلّم الذاتيّ أن يكون أداةً إضافيّة ومصدرَ عِلمٍ ثانويّ. هناك أفضلّيات كثيرة للتعلّم الذاتيّ لا تجدها في التعلّم التقليدي، ومنها:

  • سرعة تعلّمٍ خاصّة بك: يتيحُ لك التعلّم الذاتيّ أن تُنشئ برنامج ساعاتٍ خاصّاً بك، بحسب ما تراه مناسباً. فمثلاً، قد تأخذ منك دورة إنترنتيّة شهراً أو عاماً كاملاً لتنهيها؛ ولا يهمّ ذلك ما دامت هناك استمراريّة.
  • رخيصٌ ومجانيّ: بإمكانك أن تجد اليوم أيّ شيء على الإنترنت: تستطيع تعلّم لغةٍ جديدة (حتى اللغات الخياليّة!) أو تعلّم الرّسم أو الرقص أو العزف أو اللعب، وحتّى الخياطة والطهو والسياقة. لا حدّ للإمكانيات المتوفّرة، وقد لا تكلّفك هذه كلّها أيّ مبلغٍ من المال. فالمكتبات مجّانيّة، وبإمكانك أيضاً شراء الكتب بالجملة على الإنترنت — ولن تكسو الحُمرةُ حسابَك البنكيّ.
  • تعلّمٌ فعّال أكثر: عندما تختار أنت الموضوع الذي تريد تعلّمه، يكون بمقدورك أن تستمتع بالتعلّم أكثر ممّا لو كان قد فُرِضَ عليك.
  • تطوير عقليّة ناقدة: بَدَلَ أن تتلقّى المعلومات بلا رقابةٍ تحقيقيّة، كما في المدرسة، يتيح لك التعلّم الذاتيّ أن تُبحِرَ في الموضوع من كلّ جوانبه، وأن تتبيّن وتتحقّق من كلّ جملة وكلمة فيه؛ ويساعدك ذلك على تطوير عقلٍ لا يسلّم للمعلومات التي يتلقاها، بل يمنحك الفرصة للنقد والتحرّي. وقد تكون هذه أفضلية أو عكس ذلك.
  • كلّ حدثٍ يوجِب التعلّم: يوماً تتعلّم لغةً جديدة، ويوماً آخر تتعلّم البرمجة للمتعة، أو تقرأ عن الحمية، أو تكتشف الموسوعات الأكاديمية عن الطبيعة. وخلال حياتك، يصبحُ التعلّم الذاتيّ عادةً يوميّة؛ فكلّما مررت بموضوعٍ جديد ازداد حماسك للتعلّم عنه واكتشافه.

المدارسُ عتيقة

لقد تغيّرت التكنولوجيا بشكلٍ هائل منذ أوائل القرن العشرين. إنّ الإنترنت حديث الولادة نسبياً، ومفهوم «إنترنت الأشياء» لم يكُن يوماً مُمكناً — حتى كمفهوم — قبل القفزة العملاقة في التطوّرات التكنولوجيّة. فتجد المدارس التقليدية نفسها عالِقةً بين التقليديّة والحداثة في عالَمٍ تتغيّر فيه مفاهيم المعلومات والتعلّم كلّ يوم.

من جهة، لم نعهد المدارس إلّا بكونها صفوفاً متطابقة من الطّلاب منذ مطلع القرن التاسع عشر. إذا ما أردنا دَمجَ التكنولوجيا الحديثة في نظام التعليم، علينا أوّلاً إعادة هيكلة النظام بأكمله. أدري أنّ تصميم الصفوف وهندسة المدارس ليست ببساطة الأشكال والأدوات، لكن إذا تصوّرنا مستقبلاً تكون فيه التكنولوجيا مركز الاستخدام في المدارس، فعلينا أن نفكّر بشكلٍ آخر في شكل الصفوف التقليدية، وحتّى أن نسأل أنفسنا إن كنّا أصلاً بحاجةٍ للمباني.

ليس ثمّة إجابة حتميّة للسؤال في عنوان المقالة. هل يطغى التعليم الإنترنتيّ مستقبلاً؟ هل يكون الإنترنت مستقبل التعليم؟ هل تتغيّر منظومة التعليم يوماً؟ لكنّ أمراً وحيداً يبقى واضحاً: مع تطوّر التكنولوجيا، سنرى تغيّرات جوهريّة في العمليّة التعليميّة.

تماماً كما أضحَت السبّورة من الماضي العتيق، سنشهد تغيّر شكل المدارس التقليديّ شيئاً فشيء.

Comments

  1. Loading…

Comments are reviewed before they appear.