My Items

I'm a title. ​Click here to edit me.

النسوية الحديثة: المساواة الجنسيّة و(كاردي بي)

النسوية الحديثة: المساواة الجنسيّة و(كاردي بي)

نقدٌ للنسوية الحديثة ودراسة النظرية النسوية منذ ظهورها وحتى يومنا هذا منذ انطلاق الحركة النسوية بتطلعات نحو المساواة بين الجنسين وتحقيق العدالة للنساء، صارت النسويّة محط حديث الجميع إنطلاقاً من رغبة حقيقية للتغيير الملموس. ومع ذلك، فإنّها أصبحت أيضاً شعاراً يُلصق على بروافيلات المواقع الإجتماعية من قبَل أولئك الذين يريدون إبهار المجتمع وأن يُنظر إليهم كأشخاص ذوي وعيٍ وعقلانية، والقفز على عربة الترند للناس اليقِظة، خاصّة من الرجال الذين لا يعرفون حتى ما معنى النسوية. يريد النسويون والنسويات المساواة بين الرجل والمرأة في كافّة المجالات والجوانب الحياتية، ويشمل ذلك إعادة إنشاء للقواعد الراسخة في المجتمع، والحقوق والواجبات والهوية الإجتماعية للمرأة، وربما للرجل أيضاً. وليس في هذا أمرٌ سيء، فتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة هي مبتغى الحضارة الإنسانية المعاصرة، وهي تقدّم ملحوظ وخطوة كبيرة من أعتاب ثقافة الاستعباد والعنصرية والظُلم البشري القائم منذ بداية الحضارة في الغرب. إلّا أنّ الحقيقة هي أنّ النسويات المعاصرات يمِلْنَ إلى تحقيق هذه التغييرات بطرق متناقضة وأساليب مبتذلة تجعلها غير عمليّة على أقلّ تقدير. إضافةً إلى ذلك، فإنّ ما يرِدنَ تحقيقه يُصرِفُ النّظر عن المشكلات الحقيقية التي تواجهها النساء يومياً في المجتمع. إنّ التعريف التقنيّ للنسوية هو تأمين الحقوق للمرأة في المعاملة المساوية والعادلة، وهُنا بالذات تكمُنُ المشكلة في الحركة النسويّة: ما الذي نريده؟ أهي المساواة التقاطعية والشاملة التي لا تفرّق بين اثنين؟ هل علينا أن نعامل الرجل والمرأة كأفراد بلا هويّة؟ نسخ روبوتيّة بلا هوية جنسيّة تحدد الفروق والاختلافات؟ أم نريد العدْل والإنصاف والتوازن النابع من الفِطرة الطبيعية للجنسين؟ يوجد اليوم نظرتان متطرفتان عن النسوية: الأولى تصبغ المسلمين كافّة بكونهم ضدّ النسوية تعريفاً - أي كونهم مسلمين يعني بالضرورة أنّهم ضد النسوية، وذلك لأن بعض التعاليم الإسلامية تنادي بقيَم وعادات ونهج مخالف لتلك التي في الغرب. النظرة الثانية هي نظرة المسلمين للنسوية بأنها غير مرغوب بها، فقد اكتسبت الحركة النسوية بالذات ومصطلح النسوية عامّةً كرهاً شعبياً، خصوصاً لدى مسلمي الشرق الأوسط. هذا التبايُن بين الإسلام (النظري والعملي) والنسوية (بكلّ تطبيقاتها) ازدادت حدّته بين الطرفين. يبقى السؤال: هل علَينا أن نفرّق بين المساواة والعدْل؟ في النهاية، إذا قمنا التعامل مع كلّ إنسانٍ بغضّ النظر عن جنسه بشكلٍ متساوٍ، سنواجه مع ذلك مشكلاتٍ متعلّقة بالتطبيق العملي والمنطق العقلي. لكن لكي نجيب على هكذا سؤال والإحاطة بكلّ جوانبه، علينا أن نفهم أوّلاً ما هي النسوية، وإن كان هذا السؤال هو معضلة هذه الحركة – والإجابة عليه هي التي تتطلع إليه الحركة. من الجدير بالذكر أنّ النسوية ليست نهجاً ذات مقاس واحد يناسب الجميع. بل على العكس، فقد تجد الكثير من النسويين في تناقض وتضاد واصطدام بين بعضهم البعض، وستجد حتماً اختلافاتٍ عقديّة ونظرية كثيرة بينهم. النسويات من الموجة الأولى قد يختلفن في التوجّه مع النسويات من الموجة الثانية والثالثة والرابعة، وقد اختلفن أصلاً في الموجة الأولى بينهن، حتى أنّ بعض النسويات ينعتن نسوياتٍ أخريات بالراديكالية والتعصّب. ستمنحنا دراسة الموجات النسويّة من بدايات ظهورها عبر التاريخ حتى يومنا هذا صورةً أوضح عن ماهية النسوية، وكيف برأيي أسيء فهمها من قبل النسويين الجُدد من الموجة الرابعة حتى أصبحت النسوية توجّه إبليسيّ، يعمل على إعاقة تحقيق العَدل للمرأة في المجتمع. قد يدّعي البعض أنّني ضد النسوية حين أقول أنّ الرجل والمرأة غير متساويان. لا يوافقني في هذا الرأي معظم النسويات، ويعارضن استعمال هذا الاصطلاح. يدعي النسويون أنّنا ينبغي أن نفرّق بين "المساواة" و"التطابق". يتّضح الفرق في اللغة الإنجليزية أكثر، فهُنا يفرّقون بين كلمة equal وكلمة same. الأولى تشير إلى أنّ المساواة عمليّة وتطبيقية، والثانية تشير إلى التطابق والتجانس التّامّ بين الطرفين. بناءً عليه، فبالرغم من كون الرجل والمرأة غير متطابقين أو متجانسين، فإنّهما متساويين. قد يدّعي أحدهم بأنّ هذا صحيحاً، لكن ما هي الأهمية العمليّة التي يحملها هذا الاختلاف الاصطلاحي في الواقع؟ إنّ اختلاف التطابق بين الرجل والمرأة متمثّل بالاختلاف الفيزيولوجي (الوظائفي) والبيولوجي (الطبيعي) والسيكولوجيّ (النفسي) بينهما. فهُم ليسوا سواءاً. تُعرِّفُ النسويات المساواة على أنّها وجود الفرص "والإتاحة" للمرأة كما هي للرجل، بدون تفريق بين الفطرة الجسدية والنفسية للجنس نفسه. لكن مهلاً، إذا كان هناك اختلاف جوهري بين الرجل والمرأة، ألا يستلزم ذلك وجود اختلاف في التوقعات والإمكانيات بينهما؟ إذا استطاع رجلٌ إتمام عملٍ يحتاج إلى جهد جسمانيّ، لن تستطيع المرأة إتمام نفس العمل بنفس الجودة. فكيف يجب علينا إذن إعطاء نفس الفُرَص للمرأة والرجل بالتساوي؟ إذا رفض موقع بناء تشغيل امرأة لكونها امرأة، هل يعتبرُ ذلك ذكوريّة؟ حسب التشخيص البائن، نعم. لكن لنفترض أنّ المرأة كانت عاملةً في الأساس في هذا الموقع وكان عامل الكفاءة تحت المتوقع والمعدّل، ولا يُقارَن بعامل الكفاءة للرجل، هل سيكون من الخطأ فصلها؟ هل سيكون من الخطأ دفع راتب أقل؟ قد تثير الفقرة السابقة اشمئزاز كثيرٍ من النسويات، لا لأنها مغلوطة، بل لأحد هذين السببين الرئيسَين: (1) لأنها تفترض أنّ جنس الأنثى (المرأة) ليس كفؤاً وذا قدرة أقلّ، بدون الانتباه إلى استثناءات فردية أو طبقيّة، أو (2) لأنها تبرر تفاوت الدفع والراتب، وتعزز التعامل الذكوريّ مع المرأة. إنّ ردّة فعلٍ كهذه متوقّعة ومفهومة في مثل هذه البيئة في هذا الوقت. تدّعي النسوية أنّ العامل الفارِق هو الإتاحة: الخَيار المُتاح للمرأة لفِعل ما يفعله الرجل بالعادة. وهذا حسنٌ، فأنا لا أقول أنّ على المرأة البقاء في المنزل وتربية الأسرة فقط، فقد لا يكون هذا كافياً لبعض النساء (مع تأكيدي على أهمية التربية الأسرية وأنّ عمل الأم الأول والأخير هو الأسرة). ليست المرأة ممنوعة من الطموح لوظيفة أو شغل أو منصب، أو أن تزدهر اقتصادياً حتى تصبح مستقلّة؛ بل على العكس، فإن ذلك محبذ، خاصّة في هذه البيئة الاقتصادية المنهكة والإعصار الرأسمالي الشرس. لكن ما الذي تريده النساء؟ تماماً كما أنّه ليس ثمة هناك إجابة لسؤال "ما الذي يريده الرجال،" يصعُب علينا الإجابة عن هذا السؤال أيضاً. يصبح السؤال إذاً موجّهاً أكثر، لأولئك الذين يديرون الحَمَلات ورؤوس الأموال (الذين هُم في غالبهم من الرجال البيض). ما هي غايتهم؟ وهل يريدون حقّاً مناهضة النساء المظلومات؟ أرجو قراءة المقال على أنّه مقال تفكيريّ في غايته، وليس بأيّ شكلٍ من الأشكال نوعٌ من أنواع "الشرح الفوقي للمرأة" أو ما يسمونه بالإنجليزية بالـmansplaining. مصطلحات وتعابير كهذه لا تخدم الاختصاصات العلميّة ولا تعزز من النقاشات الحضاريّة والموضوعيّة. أنوّه إلى هذا الأمر هنا حتّى لا أُتَّهَمُ به لاحقاً، مع أنّ مثل هذه الاصطلاحات غير موجودة في ثقافتنا، وهي مميزة للثقافة الأمريكيّة بالذات وحركة ثقافة الإقصاء (cancel culture). في هذا المقال، أقوم بدراسة الأجندة النسويّة منذ ظهورها (الموجة الأولى) حتى بلوغها الحداثيّ (الموجة الرابعة)، وأسلّط الضوء على الأغلاط والمشاكل المتأصّلة في نهج الحركة النسوية، نظرياً وتطبيقياً. أعرض نموذجاً عملياً مستحضِراً أغنية لـ(كاردي بي) بعنوان (واب). كلّ المصادر والمراجع مذكورة في نهاية المقال. الموجة النسوية الأولى: استدعاء لتغيير الواقع إنّ من أحد أهمّ معالِم الحضارة الغربيّة هو ظهور النسويّة في الغرب.[1] كان هذا الظهور هو المحفّز لتأمين حقوق النساء في مجتمع أنهكته الذكوريّة وتجسيد المرأة. يذكر (محمّد حجاب) – وهو داعية وناشط إسلاميّ في بريطانيا – في كتابه الموجة النسوية الخامسة أنّ الحركة الأولى للنسويّة كانت إلى حدٍّ كبير منقادة بالدافِع. كان هذا الدافع هو حقّ الاقتراع والتصويت (اهـ.) إذ لم تتمتّع المرأة في الولايات المتّحدة بحقّ المشاركة في الحياة السياسيّة أو التصويت والترشّح. بدأت الموجة الأولى كجبهة موحِّدة للنساء اللواتي أردْنَ إحداث تغيير ملموس ليس فقط في دَوْر المرأة في المجتمع، بل أيضاً في نظرة المجتمع (الذكوري) للمرأة، من التجسيد الجنسي والمعاملة الشيئية للمرأة إلى المعاملة المتساوية مع الرجل. كانت الموجة الأولى جميلة المظهر، لكنّها كانت أيضاً مغلوطة وأساسها جائر ظالِم، إذ أنّها، ومنذ بدايتها في الولايات المتّحدة في أواخر القرن التاسع عشر، بدأت بتوحيد النساء البيض والعمل على تأمين حقوقهنّ في المجتمع، بالتركيز على حقّ الاقتراع والمشاركة السياسيّة. تبدو الفكرة لأحدنا جميلة وبريئة وصادقة، إلّا أنّها في الحقيقة مبنيّة على قِيَم العنصريّة البغيضة والفصل العنصري والفوقيّة البيضاء. تعدّ مناهضات النسوية الأُوَل أمثال (إليزابيث ستانتون) و(آنا شو) و(لورا كلاي) و(فرانسيس ويلارد) و(ريبيكا فلتون) على سبيل المثال لا الحصر، أعلاماً في مناهضة المرأة والعمل على تأمين الحقوق والمساواة الجنسية. لكنّ المذكورات أعلاه كُنّ في الحقيقة مناهضاتٍ للفوقيّة البيضاء واستعلاء العرق الأبيض على الأسود، وفضّلنَهُ على احتواء النساء ذوات البشرة السوداء (بالإضافة للرجال السود) في هذه المناهضة "السامِيَة". إنّ سياسات الولايات المتّحدة شاهدةٌ على هذا النّهج العنصري، إذ أنّ عام 1920 شهد دخول التعديل التاسع عشر للدستور الأمريكي حيّزَ التنفيذ، مؤمِّناً للنساء البيض حقّهنّ بالتصويت والاقتراع. أمّا حقّ السود بالاقتراع فقد أخذ 45 عاماً بعد ذلك ليدخل حيّز التنفيذ عام 1965. [2] كان لنسويات الموجة الأولى هدفٌ واحد، وهو إرتقاء المرأة البيضاء على سلّم المجتمع لتُساوي في حقوقها الرجل الأبيض، بينما كان الرجال والنساء السود بلا حقوقٍ إنسانيّة بسيطة. لم يمتنع نشطاء النسوية كـ(فِلتون) عن الإنضمام للحركة السوداء لتأمين حقوق السود ومساواتهم بالبيض فقط، بل عملوا على إقصاء السود وفصل الحركة النسوية عن دعاة حقوق السود، حتى قالت: "لا أريد رؤية رجل زنجيّ يمشي لصناديق الاقتراع ويصوّت بخصوص مَن يدير شؤون أموال الضرائب الخاصّة بي بينما لا يمكنني التصويت أساساً." تُعتَبَرُ قريتنها (ستانتون) أحد أهم معالِم النسوية الأولى (ت. 1902)، وقد قالت الأخرى: "ماذا سنحتملُ نحن وبناتنا إذا سُمِحَ لهؤلاء الرجال السود الأرذال بامتلاك الحقوق التي ستجعلهم أسوأ من آبائنا السكسونيين؟" تُجسِّد هذه التصريحات (ومثلها الكثير) الأيديولوجية النسوية البيضاء ونظرتها للحقوق والمساواة. إنّ المرأة السوداء في نظر المرأة النسوية البيضاء ليست بنفس المستوى الإجتماعي. لم تُكن المرأة البيضاء تعتبر السوداء قرينتها، فقد كان السود عبيداً ذوي درجة إجتماعية متدنيّة جداً. يذكر (حجاب) أنّ للحركة هياكل عظمية تاريخية مخبأة في خزانتها الأكاديمية، مثل الاستعلاء الأبيض. كانت مشكلة العنصرية هذه متأصّلة في أيديولوجيّة وشخصيّة النسويات الأوَل. النسويات الحداثيات اللواتي يمدحْنَ ويفتخِرنَ بالنسويات الأوَل سيُبَرِّرنَ هذا التوجّه بأنّ العنصرية كانت عادةً إجتماعية ناجمةً عن ضغط إجتماعي تربّى عليه المجتمع كلّه، ولم يكن حصرياً للنسويات. هذا الادعاء مغلوط، عِوَضاً عن كونه مثيراً للشفقة، ذلك أنّه يفترض أنّ الأخلاق الموضوعية مبنيّة على الإجماع والضغط الإجتماعي. يقول (حمزة تسورتزس) أنّ دعاة هذا النهج يواجهون مشكلة ضخمة، فهي أوّلاً تجعل الأخلاق نسبيّة، منوطة بالتغيّرات والتقلّبات الإجتماعية، وثانياً تقود إلى حماقات وعبثيات أخلاقيّة. إنّ النقاش العلميّ في الأخلاق الموضوعية أمام الأخلاق النسبيّة طويل ولا يخدم بالضرورة الفِكرة المطروحة هُنا، إلّا أنّ (تزورتزس) يعرِض حجّة لا لبس فيها فيقول: "إذا قَبِلَ أحدهم بالإجماع كمرجعٍ للأخلاق، فكيف بإمكاننا تبرير موقفنا الأخلاقي ممّا فعله النازيون في ألمانيا في أربعينيات القرن الماضي؟ كيف لنا أن ندّعي أنّ ما فعلوه كان خاطئاً من ناحيةٍ أخلاقيّة؟ لن نستطيع. حتّى إذا قلنا بوجود معارضين في ألمانيا الذين قاتلوا ضدّ النازيين، القصدُ هو وجود إجماعٍ قويّ يدعَم الشرّ." دعمت الحركة النسوية في الموجة الأولى الشرّ من موقف فعل الخير لطبقة من المجتمع وهي النساء البيض، حتّى وصل الأمر لرفض النساء البيض من التظاهُر مع النساء السود في موضوع حقوق السود. إذَن فيمكننا القول بأنّ الموجة الأولى لم تكن احتوائيّة أو شاملة أو تقطاعيّة؛ فقد فرّقت بين الجنس والعرق، وكانت مغلوطة وفاسدة في توجّهها، وعملت على تعزيز مشاكل أخرى في المجتمع الأمريكي، كالفصل العنصري وفوقية العرق الأبيض. الموجة النسوية الثانية: دفعة للأمام لم تختلف الموجة الثانية للنسوية عن الأولى في موضوع إعادة تعريف دور المرأة في البيت والمجتمع، فقد عملت الموجة الثانية على تأمين حقوق المساواة في مكان العمل والعلاقات بين الجنسين وفي البيئة الأُسَريّة والمنزل. يمكننا وصفُ الموجة الأولى بأنّها كانت قدماً داخل الباب، أتاحت للنساء تأمين منصّة وحركة ثَورِيّة تمهيداً للمطالبات العامّة في العديد من زوايا المجتمع. أشعلت الموجة الثانية حركة ثَوريّة في ستينيات القرن الماضي، وكانت متجذّرة في الحركة المعارضة للرأسمالية والعنصرية لتأمين الحقوق المدنية. تذكر منصّة (ڤوكس) أنّ النساء السُود وجدنَ أنفسهن مرة تلو الأخرى في موضع تغريبٍ وإقصاء من المنصّات المركزيّة في الحركة النسائيّة في التيار السائد. إنّ موضوع حقّ العمل خارج المنزل لم يشغل بال النساء السود، إذ أنّهنّ ضطررن على العمل خارج المنزل في أيّ حال، وفي حين أنّ النضال على تأمين الحقّ لحرية الإنجاب قد جمع النساء البيض والسود على حدّ سواء، كان نضال النساء السود أشمَل من مواضيع منع الحَمل والإجهاض، ودعى أيضاً إلى منع التعقيم الإجباريّ للنساء السود وذوي الإحتياجات الخاصّة، وهي مواضيع لم تكُن في سلّم أولويات الحركة النسويّة في التيار السائد. وكردّة فِعل، انشّقّت النسوة السود عن مخيّم النسويّة لتكوين مخيّم آخر تحت اسم (womanism). في مظاهرة ضدّ مسابقة ملكة جمال أمريكا عام 1968، دَعَت الناشطات النسويات إلى مقاطعة المسابقة كونَها تُهين وتُحقِّر المرأة. في تقريرٍ لمجلّة (سميثسونيان) عام 2018، يذكر: "كان أحد الادعاءات هو الرمز المُهين للمرأة في تصويرها بأنّها (امرأة غبيّة مع ثديين). كان ادعاءٌ آخر ضدّ العنصريّة، إذ أنّ المسابقة لم تحوي أيّ متسابقةٍ أو فائزةٍ سوداء، ولم تكُن قط ملكة جمال أمريكيّة حقيقيّة – من أصولٍ أمريكية-هنديّة أصليّة. تظاهروا أيضاً ضدّ عقدة العلاقة بين المجال الصناعي والعسكري ودَوْر ملكة جمال أمريكا الذي يمثّل (رمز الموت) في ترفيه الجنود، وأشاروا إلى الطبيعة الإستهلاكية لتمويل ودعايات الشركات للمسابقة، وتقييم المرأة وتقديرها حَسْب جمالها. وذكروا أنّ مع كلّ تتويجٍ لملكة جمالٍ جديدة، يتمّ دفع الفائزة السابقة إلى عالم التقادم في الثقافة الشائعة pop-culture." (اهـ.) ركّزت الموجة الثانية كما سابقتها على النساء البيض مع تحوّل بسيط إلى الإحتواء والتقاطعيّة العرقيّة وتأمين الحقوق للنساء السود كذلك، والذي لم يلقى إعجاباً من معظم النسويات البيض. التحوّل القانوني والمعياري والمؤسساتي من تجسيد المرأة إلى تأنيسها ومعاملتها بكرامة والذي تمثّل في هذه المظاهرة ساعَد بتعزيز الحركة النسويّة لتغيير النظرة الإستهلاكية للمرأة في المجتمع. دعت الموجة الثانية للتساؤل عن الدَور التقليديّ للمرأة والرجل، بما في ذلك الأُسرة والأدوار العائليّة، والتي صدر عنها نوعين من النسويّة، هُما النسويّة التياريّة السائدة (أو التقليدية) والنسويّة الراديكالية أو الثقافية. عملت الموجة الثانية على النشاط المؤسساتي، الذي ركّز على إنتاج سوابق وقوانين معيارية في التاريخ الأمريكي. ليس من الدقيق استقراء الموجة الثانية على أنّها لم تكُن استمراريّة للموجة الأولى، وليس من الدقيق أيضاً أن نقول أنّها كانت كذلك. إنّ التاريخ الغربيّ، خاصّة في الولايات المتّحدة، هو تاريخٌ تراكميّ، أي أنّ الأخلاقيات والعادات والتقاليد وحتى الأيديولوجيات المختلفة تؤدي إلى تكوين الوضع القائم – إن كان ذلك متمثّلاً بالعنصريّة المتأصّلة أو المثاليّة الأمريكية الإفتراضيّة. هل يمكننا القول بأنّ الموجة الثانية كانت أفضل من الأولى؟ في الغالب، لقد تحدّت الموجة الثانية الوضع الإجتماعي للمرأة في مجتمعٍ رجعيّ متعلّق بقِيَمِه المغلوطة واللاأخلاقية والتي تراكمت عبر السنين، حتى قبل تأسيس الولايات المتحدة. الموجة الثالثة للنسوية: أهلاً بالتقاطعيّة من الصعب تعريف الموجة النسوية الثالثة أو إلزامها بفترة بداية أو سبب. لكن ليس من الصعب أن نعرّف خصائصها، والتي تمثّلت في أمرين: الحرية التامّة والمطلقة للنساء بأن يفعلن ما يحلو لهنّ، والنسويّة التقاطعيّة: فكرة أنّ العرق والجنس ليسا بالأمر نفسه. يمكن تمييز الموجة الثالثة باختفاء الحدّة فيما يتعلّق بالعِرق؛ كانت نسويات الموجة الثالثة أكثر إدراكاً للاختلافات العرقيّة والوضع الإجتماعي للنساء السود، بعكس الموجة الأولى في أواخر القرن التاسع عشر، مكوِّنَة بذلك نسويّة أكثر احتواءً: نسويّة تتفهّم وتقدّر المساواة بين جميع النساء، لا البيض فقط. يمكننا وصف الموجة الثالثة بأنها تمثّل الطموح الأعلى للنسوية، فالمواضيع التي تخصّ المساواة الجنسيّة ودور المرأة في المنزل وأماكن العمل والتغيير الإجتماعي في تقدير وإكرام المرأة (من وجهة نظر غربيّة) كانت أهمّ إنجازات النسويّة، وهي ما طمحت إليه منذ أن بدأت في الموجة الأولى. إذن فالنسويّة حققت مرادها الشكليّ في المساواة الجنسيّة، وإن لم تفعلْ فإنها قد أمّنت مكانة للمرأة هي أعلى وأفضل مما كانت عليه سابقاً. من الصعب تمييز الموجات النسوية منذ السنوات الأخيرة للموجة الثانية وحتى الموجة الرابعة بشكلٍ كامِل، فاستمراريّة الأفكار والقِيَم والأهداف والمهمّات خلال هذه الموجات كلّها يُصعّب علينا عملية تمييزها عن بعضها البعض. لم يحصل تغيير كبير في الموجة الثالثة عدا عن ظهور ما يُعرف بالتقاطعيّة، وصار تعريفاً من تعريفات النسويّة المختلفة أنّها تقاطعيّة، تعمل من أجل جميع النساء. الموجة الرابعة للنسوية: الكلّ صار نسويّاً، ولكن ما معنى أن تكون نسويّاً؟ يُعطي موقع (Bustle) ستّ صفاتٍ للموجة الرابعة للنسوية: (1) كويرية[3]، (2) إيجابيّة تجاه الجنس، (3) إحتوائيّة تجاه المتحوّل الجنسيّ، (4) ضدّ كُره الرجال، (5) إيجابيّة تجاه الجسد، (6) مدارَة عبر الإنترنت. تمثّل هذه الصفات ما يُعرَف بالموجة الرابعة للنسوية. بنظر بعض النسويين والنسويات، فإنّ الموجة الرابعة لم تأتِ بعد، وإن كانت قد أتت، فهي حتماً أرَقّ وأكثر هدوءاً من سابقاتها. من الصعب اليوم أخْذ مواضع النشاط الإجتماعي (activism) بلا وجودٍ ملحوظ ومؤثّر عبر الإنترنت. ومع ذلك، فإنّه من الصعب أيضاً أن تولّد نشاطاً حقيقياً عبر الإنترنت وحده، فهذا يعطي انطباعاً بحقيقة الخيال ووهم النجاح، فالإنجازات الإنترنتيّة لا تعني بالضرورة إنجازات على أرض الواقع. ومع ذلك، فإنّ من خصائص الموجة الرابعة أنّها تدارُ بشكلٍ عام عبر الإنترنت. ومن خصائصها التي ذكرها موقع Bustle كون النسوية كويريّة واحتوائيّة تجاه المتحوّلين جنسياً، الأمر الذي لم يكُن محلّ اهتمام لدى نسويات الموجات الأولى والثانية والثالثة. ومن صفات هذه الموجة ثورة #أنا_أيضاً أو ما يُعرف بـ(#MeToo). نقدٌ للنسوية الحديثة إنّ ذِكرَ النسويّة أو الانتماء إليها في أيّ مجتمعٍ إسلاميّ تقليديّ أو محافظ يثير الإشمئزاز، وكما ذكرت في بداية المقال، فإنّ هناك كُرهٌ شديد تجاه النسويّة كمصطلح أساساً، ليس بالضرورة نابعاً من الفكرة التي تمثّلها النسويّة ذاتها. ولأنّ الإسلام قد وفّر للمسلمين إطاراً مرجعياً وفِكرياً واسع الشمول، فإنّه لا يلزم أبداً إدخال وتقديم أفكارٍ وقِيَم خارجيّة غربيّة لعقيدةٍ تحوي القيَم اللازمة لحياةً مُثلى مرجعها الله سبحانه وتعالى. هذا المُعتقد يجعل من العبارات المتناقضة مثل (الإسلام النسوي) و(الإسلام الليبرالي) خاليةً من المعنى، إذ أنّ هذه العبارات المركّبة وليدة الغرب لا تعبّر بالضرورة عن مفاهيم العرب والمسلمين، لا اصطلاحاً ولا فِكرياً. عندما أقول (مجتمع إسلاميّ تقليدي) فإنّي لا أعني بالضرورة دولةً إسلاميّة حسب نظر الغرب للعالَم الإسلامي، كأنْ أقول المملكة العربيّة السعوديّة. أستخدم هذا التوصيف لحَصر المسلمين الذين يستوفون شرطين أساسيَيْن: (1) مظهر إجتماعيّ إسلاميّ، (2) إتّباعٌ للإسلام والشريعة الإسلامية التي تطبّقها الحكومة أو المتأصّلة في المجتمع. ليست هذه الجوانب في المجتمع الإسلاميّ التقليديّ هي الوحيدة في تقرير وصف المجتمع كلّه، فمجتمعاتٌ كالتي في السعوديّة تطبّق الشريعة الإسلامية بشكلٍ عام، لكنّ مرجعيّتها الإسلاميّة وتماميّة إسلاميّتها محلّ نزاعٍ بين المسلمين حول العالم. تمّت مهاجمة النسويّة بشراسة من قبل المسلمين – عامّة وعلماء – لكونها وليدة الفِكر الغربيّ الدخيل على الثقافة الإسلاميّة، إن كان ذلك بواسطة الحضور الإستعماري الغربي أو في الميادين الإلكترونيّة والإنترنت والإعلام. وإن كان هذا صحيحاً، فإنّ التأثير الغربي على الشرق الأوسط كان عسكرياً أولاً وآخراً، الأمر الذي أدّى إلى إنبهارٍ بقِيَم الغرب الذي عَمِلَ الوجود العسكريّ على تضمينها في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة. أجهض هذا التأثير المحاولات الوطنيّة في الشرق الأوسط ومنعها من تأمين منصّة وأرضٍ صلبة للقيم الثقافيّة المحلّيّة بغضّ النظر عن وجود منصّة إسلاميّة. أدّى إختطاف المنصّة هذا من قبل النشطاء والساسَة الغربيين إلى اختلال التناسُب بين الشرق والغرب. أستطيع أن أردّ على الحركة النسويّة من موقفَين: الأوّل تجاه النسويّة في الغرب كمرجعٍ أونطولوجيّ أو وجوديّ وكنموذجٍ معرفيّ، والثاني تجاه النسويّة الشرقيّة (أو الشرق-أوسطيّة) والتي هي تفرّع واستمراريّة تطوّريّة للنسوية الغربيّة. إنّ دراسة هذين التوجّهين ليست بالأمر نفسه، ولن تنتج عنهما النتائج ذاتها، كما الأمر في دراسة الديموقراطيّة في الغرب والشرق. ولكي أناقش النسويّة في الغرب، ينبغي عليّ اختيار أحد هذين الخَيارَيْن: (1) عليَّ أنْ أعزل نفسي وأن أكون موضوعيّاً فلا أناقش من منظورٍ إسلاميّ أو شرقيّ، (2) عليَّ أنْ أدرس النسويّة من منظورٍ إسلاميّ، وأن أُعمِلَ وجهة النظر الإسلاميّة على الفِكر النسويّ. لستُ في صدد الحديث عن النسويّة الغربيّة بلا مرجعٍ قيَمِيّ وأخلاقيّ أرجع إليه لفضّ النزاعات الفلسفيّة، وإلّا فلِمَ أعرض الفِكْرَين أمام بعضهما إن لم أُرِد مقارنتهما. تُعتبرُ النسويّة الحديثة أحد أهمّ معالم الثقافة الغربيّة، وتبعاً لذلك فإنّ نقداً لهذه الثقافة ينبغي أن يكون منعزلاً عن معالِم تلك الثقافة، وأن أستخدم في النقد أداةٍ منفصلة لا علاقة لها بالثقافة (في هذه الحالة هي الشريعة الإسلامية). لكنّ نقدي للنسويّة الحديثة ليس منوطاً فقط بالإسلام وأحكامه، مع كَوْن غالِب أحكامي العقليّة والمنطقيّة نابعة من أصولٍ إسلاميّة. إنّ السؤال هُنا هو ما إذا كانت النسويّة (في شكلها الحداثيّ العصريّ) هي الحقّ. سؤال بهذه البساطة قد يكون إتلافيّاً للنقاش العلميّ بنظر بعض العلماء الذين لا يحبّون تمييز الأمور بالأبيض والأسود ومعادلة الحقّ والباطل. لكنّ سؤالاً كهذا ضروريّ لفهمنا الحقيقة. في النهاية، الحقّ موجود والباطل موجود، والتفريق بينهما سهلٌ لمَن أراد التفريق. إنّ نقد النسويّة خطيرٌ في الغرب، كما أنّ الدعوة إليه خطيرٌ في الشرق. إعلام التيار السائد وفروعه في الميدان العامّ اتهموا كلّ ما هو دينيّ أو محافظ بالرجعيّة والتخلّف والسموم الفكريّ، بغضّ النظر عن المذهب أو الدّين نفسه (نصرانياً كان أم مسلماً). بالطبع فإن الواضح من كلمة (محافِظ) هي المحافظيّة الأمريكيّة (American Conservatism)، لكنني أشير هُنا إلى أنواعٍ أخرى من المحافظيّة، كالإسلاميّة والنصرانيّة العامّة واليهوديّة، ليس فقط في الولايات المتّحدة. أساء الكثير من المسلمين فهم النسويّة، إلّا أنّه يمكن القول بأنّ النسويين والغربيين بشكلٍ عام قد أساؤوا فَهم الإسلام أيضاً. أصبحت النصرانيّة الحديثة الوضع العامّ الديناميكيّ في ميزان الموافقة بين الليبراليّة والمحافظيّة، وتمّ توصيف الإسلام بالرجعيّة والتعصّب والفكر الإرهابي من قبل الجهتين (النصرانية المحافظة والليبرالية). بعض الإعلاميين أمثال (بِن شابيرو) وصف الإسلام بدين الإرهاب الذي لا يحتمل التعاليم الخارجيّة الغربيّة، وخصوصاً الأمريكيّة. لكنّه في الوقت ذاته يُوصَف هو بالرجعيّة والتخلّف والفكر الإرهابي من قبل الليبراليين. هذا التقاطع بين الأفكار والمناهج والقِيَم لا ينبع بالضرورة من الاختلافات الدينيّة، بل أساساً من الاختلافات الثقافيّة، وإن كانت الأخيرة متأثرة بشكلٍ كبير بالقيَم الدينيّة. أصبح السؤال الآن: هل ما تدّعيه النسويّة صحيحاً؟ تعرض الجمعيّات النسويّة في الغرب (ومؤخراً في الشرق) ادعاءات كثيرة بخصوص مواضيع مختلفة، كالتفاوت في الرواتب بين الرجل والمرأة والمساواة الجنسيّة والتحرّش الجنسيّ وتجسيد المرأة والعمل في الدعارة، وغيرها من المواضيع. كان لا بدّ من أن يكون لهذه الادعاءات أساساً مكيناً لتكونَ صحيحة. وهُنا أعني الإحصائيات والأرقام والبيانات. وقبلَ أن أتقدّم في النقاش في هذا الادعاءات، لا بدّ من التنويه بأنني أعي أنّ بعض هذه الادعاءات صحيحٌ وقائم، ولكنّ البعض الآخر في نفس الوقت هزليّ حدّ الضحك، حتى أنّها أصبحت تنفّر المجتمع من النسويّة دون أن تدري، كما أبيّن في آخر المقال. في غالِب النقاشات حول النسويّة، هناك معتقدٌ سائد بين النسويات يدّعي بأنّ النساء قد مررنَ بظُلمٍ واضطهاد جهازيّ ومجموعيّ من قبل الرجال. وكما بيّنتُ سابقاً في المقال، فإنّ النسويّة كانت قد بدأت كمهمّة تخصّ النساء البيض فقط لتأمين حقوقهنّ وتحقيق المساواة في الحقوق مع الرجل الأبيض. أمّا سود البشرة من الرجال والنساء أُقصوا من هذا النضال، وتمّ حجبهم عن المنصّات المركزيّة وتجنّبهم. لم تُرِد الحركة النسويّة آنذاك أن تتلطخ سمعتها بوجود السود فيها. إذا ما نظرنا للتاريخ الأمريكيّ، نرى أنّ النساء البيض حظين بمكانةٍ إجتماعيّة أعلى من الرجال السود، الذين عانوا من الاستعباد والقتل الجماعيّ والظُلم والقهر وعوملوا معاملةً أقسى من معاملة الحيوانات. هذه الحقيقة تنفي وجود ظلمٍ ذكوريّ للنساء، بل تؤكد على وجود ظلمٍ نسائيّ (ورجاليّ كذلك) للسود، الأمر الذي ينبغي أن يعيد توجيه أنظارنا لمعتقدات العرق الأبيض. هل معنى ذلك أنّ النساء البيض لم يكُنّ مضطهدات؟ حتماً لا. كانت النساء البيض مضطهدات وبلا حقوقٍ متساوية مقارنةً بالرجال البيض. وهُنا نرجع للنقاش الأونطولوجيّ والمعرفيّ للأخلاق، ففي النهاية، إن كانت الحركة النسويّة حركة نبيلة وبريئة وتسعى للخير، كان لا بدّ لها من الرجوع إلى مصدر الحقّ الأبديّ. فهل كان الأمر كذلك؟ أُسِّسَت الموجة الأولى للنسويّة على مبادئ العنصريّة وفوقيّة العرق الأبيض، ولم يكُن لديها أيّ مرجعيّة نصّيّة أو دينيّة، كما الأمر في الموجات اللاحقة. وهذا يعني أنّ ما انجلى عن النسويّات كان مرجعه نظرة علمانيّة دنيويّة لا روحيّة. قد يفسّر هذا أقوال الإنجيليّ (بات روبرتسون) الذي قال عن النسويّة عام 1922 بأنّها "حركة اشتراكيّة لاعائليّة سياسيّة تشجّع النساء على تَرْك أزواجهنّ وقتل أطفالهنّ وممارسة السحر وتدمير الرأسماليّة وأنْ يُصبِحنَ سحاقيّات." بيدَ أنّ المقولة أعلاه غير دقيقة أبداً، بل تُجاور المهزلة والمبالغة، لكنّها تمثّل النظرة المحافظة تجاه النسويّة، على الأقل النسخة الأمريكيّة منها. حقّاً، ليست النسويّة إذَن معنيّة بالدّين، بغضّ النظر عن محاولات باهتة بخلط الدين مع النسويّة أو دمجهما تحت مظلّة واحدة، الأمر الذي أدّى إلى ظهور توجّهات مثل (النسويّة النصرانيّة) و(النسويّة الإسلاميّة) كطُرُقٍ جديدة لقراءة وفهم النصوص الدينيّة من منظور نسويّ. "إنّ النتائج تُظهر أنّ النسويّات أقلّ اهتماماً بالدّين مقارنةً بغالبيّة النساء، لكنّهنّ مهتمّات على الأرجح بروحانيّاتٍ بديلة وغير مؤسساتيّة." هل يُعدّ هذا نقداً للنسويّة؟ هل كَون النسويّة لادينيّة أو ضدّ الدّين يعني بالضرورة أنّها خطأ؟ لغالبيّة المسلمين (ومجموعاتٍ دينيّة أخرى) الجواب نعم. إنّ الافتراض الدينيّ الذي يقول بأنّ القيَم الحديثة التي تقلّل من شأن الدّين هي خطأ لأن مرجعها ليس الله جلّ وعلا، يجعل مهمّة إقناع الدينيّين بالنسويّة أمراً صعباً. بالنسبة للمسلمين، الأمر أكثر صعوبة لأنّ مبتغى النسويّة هو إصلاح أو تعديل الدّين أو ببساطة نسخه وإبطاله. في الإسلام ليس ثمّة مرجع أخلاقيّ ومعرفيّ أبديّ إلا الله سبحانه وتعالى، وكلّ ما يخصّ الحياة الدنيا وجوانبها المختلفة من كيفية العيش إلى التعاملات الإجتماعيّة، والحقّ والباطل، كلّها تأتي من الله في القرآن الكريم وسنّة رسوله ﷺ. إنّ النسويّات اللواتي ينتقدن الإسلام وينادين بإبطاله يرين أنّ منظومة القيَم والأخلاق الخاصّة بهنّ (إن كانت علمانيّة أو نصرانيّة غربيّة) هي المنظومة المُثلى للأخلاق والمناقب، وهي قمّة الحضارة البشريّة، وتبعاً لذلك يضربن بكلّ منظومة أخرى عرض الحائط، متّهماتٍ إياها بالرجعيّة والقِدَم. وكملاحظةٍ هامشيّة، فإنّ الإسلام قد نادى ضدّ العنصريّة والتمييز قبل ألفٍ وأربعمائة عام، أي أربعة عشر قرناً. حتى يومنا هذا، يؤمن المتعصّبين البيض والنيونازيون في الولايات المتّحدة أنّ العرق الأسود أقلّ منهم شأناً ومكانةً وقيمة. قبل عام تقريباً في 2020 تمّ قتل (جورج فلويد) – رجلٌ أسود البشرة – على يد شرطيّ أمريكيّ أبيض البشرة بلا رحمة. لمَ أنوّه لهذا القياس؟ قد لا يستهوي الإسلامُ اليوم الغربيين، ويعود هذا إلى أنّ الإسلام غير موجودٍ اليوم. الإسلام التطبيقيّ ليس موجوداً في القرن الواحد والعشرين، ولذلك لا يمكن لومه على الوضع القائم للدُول التي ظاهرها يقول بأنها إسلاميّة. لكنّ الأيديولوجيّة نفسها – الفكر الإسلاميّ والنصوص الشرعيّة لا غبار عليها ولا التباس فيها. وفي المقابل، النسويّة هي وليدة البارحة (في صورتها الحديثة) ولا حقّ لها بنقد الشريعة الإسلاميّة التي هي أعلى وأسمى من منظومة الأخلاق المهترئة التي تتّبعها. تختلف النسويّة في الشرق الأوسط عن تلك التي في الغرب، مع كونها متأثّرة بشكلٍ كبير من الثقافة الغربيّة. المشكلة تكمن في كَون هذه القيَم منحازة ضدّ الإسلام، فعادةً ما تكون خلفيّة النسويّات في الشرق الأوسط خلفيّة إسلاميّة، فإذا ما "اعتنقن" النسويّة صِرنَ ملزماتٍ بنقد الإسلام وتركه لتبرير نظرتهنّ النسويّة. فكما يشير (أنور مجيد) في مقاله (سياسة النسويّة في الإسلام): "لا يفترض نسويّات الولايات المتّحدة أنّ على النساء العربيّات أن يفصلنَ أنفسهنّ عن الرجال العرب وثقافتهنّ العربيّة ليصبحنَ نسويّات حقيقيّات فقط، بل إنّ سلوكهنّ منقادٌ بإنحيازٍ تامّ ضدّ الإسلام." (ترجمة بتصرّف). أنقل هذه الترجمة مع تحفظي على كثير مما جاء في مقاله، ولعلّي أخوض فيه في وقتٍ آخر. قد يؤدي تَرْك الدّين ووضعه جانباً حينما نتكلّم عن النسويّة الغربيّة إلى اعتقادنا بأنّ الدين موضوع منفصل ومسألة هامشيّة في الحياة، وهذا التوجّه العلمانيّ إتلافيّ بشكلٍ واضح، إذ أنّ الدّين ينحصرُ عندها في المساجد، ولا دخلَ له ولا قَول في مسائل الحياة المختلفة. وهذا ما حصل للنصرانيّة حينما تمّ فصل الدّين عن الدولة.[4] باختصار، فإنّ مناقشة النسويّة الغربية والعربية على حدّ سواء، تحتاج منّا إلى تضمين الدّين وإدراجه في النقاش، على الأقل بالنسبة لي. أمّا بالنسبة لادعاءات النسويّة ضدّ الدّين واداعاءاتها في موضوع المساواة الجنسيّة، فيُمكن القول بأنّها قد نجحت إلى حدٍّ ما بتحقيق المساواة الشكليّة للمرأة، فحقوق المرأة أصبحت تؤخَذ في الحسبان، وصار للمرأة حرّية غير مشروطة لفعل ما تريد متى تريد، واختفى الشرّ المتأصّل في الرجل ضدّ المرأة. إذَن فما هي المشكلة في النسويّة عدا عن كونها لادينيّة؟ أولاً، تعرض النسويّة صورةً نمطيّة غير دقيقة عن وضع المرأة اجتماعياً. موضوع التفاوت في رواتب المرأة والرجل هو محض خرافة، نابعٌ من استقراءٍ خاطئ ومغلوط للأوضاع التقنيّة والاحصائيّات، الأمر الذي أدّى إلى وجود تفاوتٍ متوقّع بين رواتب الجنسين. لكنّ هذا موضوعٌ للنقاش في موضعٍ آخر. أدرجتُ في المراجع مصادر تشرح الموضوع بشكلٍ مفصّل أكثر. المشكلة الثانية تكمُن في عرض دور المرأة في المجتمع، فالنسويّة تتحدّى الأفكار النمطيّة عن دور المرأة المنحصر في المنزل. أن نعطي إجابةً نسويّة تعني أن نرجع للموجة الثانية، التي نجحت بالحصول على سوابق وقوانين لصالح المرأة في المجتمع. فهَل هذه خطوة في الإتجاه الصحيح؟ ربّما. هل يجيبنا ذلك عن السؤال؟ كلّا. فما هو إذَن دور المرأة في المجتمع؟ تدّعي النسويّة الحديثة أنّ للمرأة الحقّ بالحريّة التّامّة لفِعل ما يحلو لها، كما الأمر للرجل. المرأة إنسانٌ عاقل وذكيّ وقادِر ومستقلّ وقويّ، ولذلك يجب إتاحة الفرص أمامها في مجالات الحياة المختلفة من عملٍ وترفيه وعلاقات. وهُنا المشكلة الأساسيّة في التوجّه النسويّ، إذ أنّ النسويّة الحديثة وصلت إلى مرحلة تطوّريّة أقلّ ما يقال فيها أنّها تالفة، فبدل أن يكون النقاش حول عرض السلوك والحقوق والواجبات على مرجعيّة أخلاقيّة موضوعيّة، صار النقاش يدور حول حقّ المرأة لفعل ما يفعله الرجل، حتى وإن كان ما يفعله الرجل خاطئاً. وكما أعرض في القسم التالي من المقال في استعراضٍ للمغنيّة الشهيرة (كاردي بي) وأغنيتها التي حققت نجاحاً كبيراً بعنوان (واب – WAP) وهو اختصارٌ لعبارة بذيئة تصف الذروة الجنسيّة للمرأة، صارت المسألة النسويّة في غاية البساطة: "أيّاً كان ما يفعله الرجل، فأنا أستطيع فعله أيضاً، حتى وإن كان خاطئاً." ولهذا فإنّ موضوع النموذج المعرفيّ والوجوديّ والمرجع الأخلاقيّ مهمّ جداً؛ أن تحدد ما المقبول من غير المقبول، ما المسموح من الممنوع، حتّى تستطيع أن تطبّق الحُكم الأخير من هذا المرجع على كلّ شرائح المجتمع، وعلى الرجل والمرأة بنفس المقدار. ولأن النسويات يعتمدن مرجعاً بشرياً يتغيّر مع تغيّر الزمان والمكان والأحوال الشخصيّة، ولا يأبه لمرجعيّة إلهية، استحال رسم الخطّ الفاصل للمنطق البسيط بين الحق والباطل. (كاردي بي) و(واب): قمّة الطموح النسويّ منذ شهر أغسطس/آب 2020، عندما أصدرت (كاردي بي) مع شريكتها (ميݞان ثي ستاليون) أغنية (واب)، أصبحت محور حديث الشارع الأمريكيّ، ممتداً من المحافظين المتشددين أمثال (بِن شابيرو) إلى الليبراليين، ومن النقد اللاذع إلى المدح التقديسيّ تباعاً. وبينما أنا أتصفح المواقع وإذا بي أقف على مقالٍ بعد الآخر من نفس الموقع، يمدح بشكلٍ غير مسبوق للأغنية وذمّ ونقد من انتقدها. تعرض هذه المقالات من موقع (ستَدي بريكس)، مدحاً سافراً ووقحاً لأغنية وجدها الكثير ممن استمعوا لها فاسقةً داعيةً للفجور والرذيلة. تعتبر هذه الأغنية رمزاً للنسويّة وقدوةً للنساء الفنانات. أبدأ النقاش بتوصيف هذه الأغنية على أنّها أفضل مثالٍ للثقافة الأمريكيّة، إذ أنّها تحوي ثلاثة عوامل مستقاة من الثقافة الأمريكيّة: (1) مفرطة الليبرالية، (2) مجسّدة ومهينة، (3) رأسماليّة واستهلاكيّة. تدعو الأغنية للقيَم الليبرالية للنسويّة – قيمٌ تناقش المواضيع الجنسيّة والجنس والكلام الفاحش. هذه إحدى مشكلات الأغنية. ما الهدف الذي تحققه الأغنية من استخدام كلمات بذيئة ومناقشة المواضيع الجنسيّة التي تخصّ المرأة؟ عدا عن كونها مهينة للمرأة وتصوّرها بأنها جسد فقط، بالإضافة إلى النظرة الرأسمالية لها. يدّعي محبّو الأغنية (وهُن نسويات في الغالب) أنّ الأغنية مشجّعة ومحرّرة للنساء، وتكسر ممنوعاتٍ وتابوهات تخصّ مواضيع الجنس. وكونها من إصدار فنانتين سوداوتين، فهي تُعدّ سابقةً للقوّة السوداء، بالأحرى: القوة النسائية السوداء. إنّ التناقضات في هذه المقالات الثلاث والتي أقتبس جلّ حديثي منها، تثبتُ حتماً سوء فهم النسويات للنسويّة، أو فلنقل تمييع الحركة النسويّة وتبسيطها إلى اقتتالٍ بين الرجل والمرأة. تصف صحيفة (ذا ݞارديان) الأغنية على أنّها "احتفاءٌ واحتفالٌ صريح بجنسانيّة النساء" والأغنية تقدّم ذلك بالضبط. يشير أحد المقالات إلى أنّ الأغنية تسهّل الطريق لفنانات الهيب هوب. والسؤال هُنا: تسهّل الطريق لفعل ماذا؟ في النهاية، فالموسيقى الغربيّة معروفٌ عنها النجاسة والبذائة والجنسانيّة المفرطة، سواءً بالكلام أم بالمحتوى. من وجهة نظر مغني الراب الذكور بشكلٍ عام، فإنّ وجود المرأة هو فقط ليتكلّم عنها بشكلٍ جنسيّ مفرَط، وعادةً ما يساويها بربطات المال. تشجّع (كاردي) النساء على التكلّم في أغاني الراب تماماً كما يتكلّم الرجال في أغانيهم، متباهين بالنجاح والجنسانيّة. إن ذلك مُنعِش. هذا التوجّه التقديسي لأغنية عنوانها جنسانيّ بحدّ ذاته، لا تقدّم أي شيء للمنظومة القيَميّة في موضوع المساواة. المساواة المعروضة هُنا والتي يتبناها محبو الأغنية هي إتاحة الفرصة للنساء لتقليد الرجل في الكلام عن المرأة بشكلٍ جنسانيّ. بحسب كلام (كاردي بي) على لسانها: "أن تكوني نسويّة أمرٌ في غاية البساطة: أن تكون المرأة قادرة على فعل الأمور كما يفعل الرجل." قد يختلف مع هذا القول نسويّات الموجة الأولى، وقد يتّفق معه نسويّات الموجة الثانية. وبغض النظر، فإن هذه الأغنية تعتبر مهينة لكثير من النساء. إنّ تكلّم الرجال عن المرأة بجنسانيّة في أغانيهم لا يُبيح تكلّم النساء في الموضوع ذاته، بل يجب أن يتمّ انتقادهم ومنعهم، لا تحدّيهم بالأمر نفسه، وكما يقول المثل الإنجليزيّ: Two wrongs don’t make a right، أو لا يعالَجُ الخطأ بالخطأ. مهلاً، فلمَ لَم أتكلّم عن هذه الحالات التي يهين فيها الرجال المرأة في أغانيهم ولو مرّة واحدة؟ الحقيقة هي أنّي لست مولعاً بالاستماع لمثل هذه الأغنيات، فأنا لا أنتقد أغنية (واب) لأنني سمعتها ولم تعجبني، بل أنتقد أولاً وآخراً المدح الذي تلقته الأغنية. ما يجعل ردّة الفعل هذه أكثر سوءاً هو أنّ هذه المقالات تؤيّد تجسيد المرأة بدون إدراك، فيقول أحدها: "تتكلّم (كاردي) بصراحة عن ماضيها كمتعرّية (stripper)، الأمر الذي لا ينبغي أن تكون المرأة فخورةً به بغضّ النظر عن الأوضاع. "أيّاً كان ما تقوله أو تغنّيه أو تنشره (كاردي بي) على تويتر قد يحوي لغةً فاحشة ونُكَتاً عن ماضيها الجنسيّ وفكاهة المرحاض." تنتقد النسويات التجسيد الجنسيّ للمرأة. دعني أعيد الصياغة. تنتقد النسويات التجسيد الجنسيّ للمرأة إذا صَدَر عن الرجل. إذا ما صدر التجسيد عن المرأة، ليس في ذلك حرج. والسبب هو كون المرأة بتحكُّم بجنسانيّتها. يذكُر المقال: "قليلاً ما ترى شخصيّة مشهورة تغرّد عن الوظائف الجسديّة والعادات الجنسيّة الخاصّة بها، وليس ذلك بالأمر السيء أيضاً." وهُنا أعرض سؤالاً استنكارياً: ما الغاية من التغريد والتحدّث في هذه المواضيع؟ ولمَ تكون أمراً جيّداً؟ إنّ الادعاء المركزيّ للمقالات هذه هو إذا كان الأمر مسموحاً للرجل، فإنه ينبغي أن يكون مسموحاً للمرأة. يقول المقال أيضاً: "بيدَ أنّ الأغنية بذيئة الكلام (والصورة) صراحةً، لكن هل هي أسوأ من كل تلك الأغاني النابية التي صدرت عن الرجال؟" والجواب هُنا أنّها بذات البذاءة والسوء. وهُنا نرجع مجدداً إلى النقاش المعرفيّ وسؤال مَن يحدّد الأخلاق في المجتمع. إنّ النسويات اللواتي كتبن هذه المقالات يستقين أخلاقهنّ من مراجع بشريّة شخصيّة غير موضوعيّة. تناقش المقالات ما هو أكثر من المدح، وتنتقد بوقاحةٍ الانتقادات التي لاقتها الأغنية من المحافظين. يقول المقال بصراحة: "ليس مقبولاً انتقاد (كاردي) و(ميݞان) على إصدارهنّ لهذه الأغنية." وإن كان هذا لا يجانِبُ الغباء الفِكريّ فلا أدري ما يجانِب. لهذا السبب بالذات، ازدادت عبارات وتسميات ثقافة الإقصاء من الطرفين، الأمر الذي منع من وجود نقاشٍ علميّ موضوعيّ حضاريّ عن هذه المسائل. النقاشات الأكاديميّة التي يعرضها الرجال في هذه المواضيع تلاقي انتقاداً لاذعاً وتسميات جارحة من قبل المعارضين. وأنا هنا أفعل الأمر ذاته لهذه المقالات، فإنني أردّ على ردّهنّ على ردّ المعارضين لهذه الأغنية. وكما ادّعت إحدى كاتبات هذه المقالات بأنّه ليس مقبولاً نقدُ الأغنية، فإنني أدعي أنّه ليس مقبولاً نقد معارضي الأغنية تماماً للسبب نفسه. ادعاءٌ آخر تذكره المقالات يقول بأنه ليس من الخطأ أن يقوم مغنّو الراب الرجال بالغناء بكلامٍ فاحش. لكن مهلاً، فلمَ إذَن علينا أن ننتقد أغانيهم إن كانت مقبولة؟ في موضعٍ سابق في نفس المقال، تطرح الكاتبة سؤالاً يخصّ مدى سوء الأغنية مقارنةً بأغاني الراب الصادرة عن الرجال. فأي تناقض هذا وأيّ تخلّفٍ أخلاقي؟ فلتقرّر كاتبة المقال ما إذا كان الكلام الفاحش أمراً مقبولاً أم لا. تفشل المقالات بتحديد ما إذا كانت اللغة النابية التي تناقش الجنسانيّة مقبولةً أم غير مقبولة. إن كانت مقبولة، فهل للرجال أم للنساء فقط؟ أم لكليهما على حد سواء؟ ولمَ تكون مسموحة أصلاً؟ وأيّ هدف تخدم؟ النسويّة تعني أن يكون للنساء الخيار لفعل ما يُرِدنَ خارج الأدوار النمطيّة التي حددتها الذكورية والمجتمع الأبوي – وإن كان هذا يعني أن تريد النساء إقامة علاقة جنسيّة مع العديد من الرجال والاحتفال بنشوتها الجنسيّة، إذَن يجب أن ندعها تفعل ذلك لأنه اختيارها. والوصف الوحيد لهذا الاقتباس هو مثير للسخرية، فهذا التوجه يتجاهل حقيقة كَون تعدد العشّاق (polyamory) من صنع النظام الأبويّ والذكوريّة. أن يصدر هذا من امرأة لا يعني أنّه مقبول أو مسموح أو أخلاقيّ. تحاول المقالات هذه أيضاً أن تصرف النظر عن الموضوع المركزيّ وهو النسويّة والجنس، وتقوم بتحويل النقاش إلى العنصريّة لكون (كاردي بي) و(ميݞان ثي ستاليون) سوداوتين. قد يكون الأمر صحيحاً بالنسبة للمحافظين الأمريكيين، وأنّ نقدهم للأغنية نابع من تمييزهم العنصريّ، لكن لا يعني ذلك أبداً أنّ الأغنية حسنة من وجهة نظر موضوعيّة. فكرة أنّ (واب) هي غير نسويّة تقصي بالضرورة بعض الأشخاص من النسويّة. النساء السود لسنَ أحراراً بالاحتفال بجنسانيّتهنّ وأجسادهنّ بنفس الطريقة التي تحتفل بها النساء البيض مثل (ليدي ݞاݞا). في النهاية، أودّ الإشارة إلى دراسة حول كلمات الأغاني فيما يتعلّق بعلاقة الرجل بالمرأة عموماً في جوانب السيطرة والسلطة، والتجسيد، والعنف ضدّ المرأة. تقيّم هذه الدراسة عدداً من الأغاني من ناحية الكلمات المستخدمة والمواضيع المطروحة فيها. فعلاً، وجدت الدراسة بأنّ الرجال أكثر من النساء كفنانين في أغانٍ تعبّر عن هذه المواضيع (السيطرة، التجسيد، العنف) بنسبة رجلين لكلّ امرأة، ويبدو أنّ هناك تزايدٌ للشراكة بين الرجل والمرأة في مثل هذه الأغاني. لكنّ الغريب هو أنّ هذه الأغاني التي اشترك فيها الرجال والنساء معاً لإنتاجها، كانت رسائل السيطرة والتجسيد والعنف تجاه المرأة في كلمات الأغنية أكثر من أغانٍ من إنتاج الرجال وحدهم، بل وهناك اشتراك فعّال من قبل النساء في تضمين هذه الرسالات. إنّ الأغاني التي تشبه (واب) والتي قد أنتجتها نساء لا رجال في ظاهر القول، قد عَمِلَ عليها رجال، بيض كانوا أم سود. وكما تشير الدراسة، فإنّ غالبيّة الوسائط الفنّيّة والتلفاز والإعلام والأفلام والموسيقى يديرها رجالٌ بيض في غالبها. ولذلك فإنّ الرجال هُم المسؤولون عن هذه الرسائل التي يتلقاها المجتمع. وإذا ما نظرنا خلف الستار لأغنية (واب) التي بنظر النسويّات تبثّ روحاً من التشجيع والتقوية والتمكين للمرأة، نجد أنّ ثلاثة من أصل خمسة مؤلّفين اشتركوا في كتابة الأغنية كانوا من الرجال. مخرج الأغنية (كولين تيلي) هو رجلٌ أبيض ذو تاريخ حافل بإخراج الأغاني والألبومات، وكان قد أخرج أعمالاً لفنانين مثل (جيسون ديرولو) وأغنيته الفاحشة والمهينة للمرأة (ويݞل) و(نيكي ميناج) وأغنيتها (أناكوندا)، بالإضافة لأعمالٍ لـ(جستن بيبر) و(كريس براون) و(ليل واين)، وهُم جميعهم فنانون ساهموا ويساهمون بالنظرة التجسيدية والجنسيّة للمرأة في أعمالهم، كما يشير موقع (مايك – Mic). ولختم المقال، أودّ عرض هذا الاقتباس لـ(فيونا ماكاي) من موقع (جندر-إد – GenderEd): تتبع (كاردي بي) و(ميغان ثي ستاليون) معالِم طريق المنحى الجنسانيّ بقُرب. في مقطع الفيديو للأغنية، ترقصان بملابس فاضحة وتتحرّكان بطريقة مثيرة واستفزازيّة، ملمّحات إلى أفعالٍ جنسيّة. لفهم هذا النمط، علينا مراجعة هرميّة قطاع الموسيقى بكلّيّته. تتمّ إدارة قطاعات الموسيقى بشكلٍ حصريّ على أيدي الرجال، ولدى هؤلاء الرجال تاريخ طويل من التحرّش الجنسيّ. وفي نهاية المطاف، هي شركاتٌ تسويقيّة، تفهم وتعي أنّ الرائج والمُراد والمُستهلك هو الجنس وكلّ ما يتعلّق به. إنّهم لا يصنعون صوراً بشكلٍ مستقلّ – بل يصنعونها داخل إطارٍ معياريّ معروف، يستهوي أفكار الهيمنة للجنسين. ولذا هو قطاع متأصّل في الذكوريّة والأبويّة وشريكٌ في تعزيز هذه الأفكار. وفي مثل هكذا قطاع، يستحالُ تصديق فكرة أنّ أغنية (واب) كانت نتاج عملٍ نسائيّ متحرّر مستقلّ ومفصول عن الرجل، خصوصاً إن أخذنا في الحسبان أنّ ثلاثة مؤلّفين رجال اشتركوا بكتابتها من أصل خمسة. إذن فهل أغنية (واب) تعزز وتشجع المرأة وتعطيها الحرّيّة؟ أم أنّها كغيرها من الأعمال الغربية التي تجسد المرأة وتعاملها بنظرة استهلاكيّة، مع كون الفرق الوحيد أنّها نتاج عملٍ نسائيّ (وقد قلنا أنّها ليست كذلك)؟ ملاحظات: أستخدم في هذا المقال كلمة (نسويّ) و(نسويّة) و(نسويّون) و(نسويّات) بالتعاقب، وذلك لوجود الرجال في الحركة النسويّة. أقول في الغرب تحديداً لفهم مجريات الأمور في سياقها، ومع أنّ ظهور النسويّة ليس حديثاً بل يعود تاريخ ظهورها إلى ما قبل الميلاد، إلّا أنّ هناك اختلافات بين الفترات التاريخية والسياق اللازم. وعلى أيّ حال، فإنّ النسويّة الغربية تختلف اختلافاً كلّيّاً عن النسويّة الشرقيّة. بيدَ أنّ كلّ النساء أخذت حقّ التصويت في عام 1920 على الورقة، لم يتسنى للنساء السود التصويت فعلياً حتى عام 1965. الكويريّة أو Queer هو مصطلح يصف الشذوذ في السلوك والتصرّف عند الإنسان، وهو مشمولٌ في حركة الشواذ (إل-جي-بي-تي) أو LGBTQIA+. كوير (أيضا: أحرار الجنس و خوارج و أشخاص ذوي الهويات الجندرية والجنسية غير النمطية) هو مصطلح يشير إلى الأقليات الجنسية والجندرية المختلفة غير المغايرة الجنسية. يعني هذا اللفظ في الأصل كل ما هو"غريب" أو "مختلف". في أواخر القرن التاسع عشر، استخدمت لفظة كوير لذم وسب مثليي الجنس وذوي الميول الجنسية المختلفة، إلا أنها استخدمت بعد ذلك للتعبير عن كل ما هو خارج عن المألوف والمهيمن. كما ظهر لقب كوير كبديل راديكالي للمختلفين جنسيًا، كجزء من المشروع السياسي الغربي، ويكثر استخدامه عالميًا الآن. في الوقت الحالي، يُعد استخدام لفظة "كوير" من أصحاب الميول الجنسية المختلفة جزءًا من عملية استرداد و استرجاع قوة هذه اللفظة من أنظمة القهر، على عكس ما كان يحدث في الماضي حينما كانت تستخدم لذم أو سب لأصحاب الميول الجنسية المختلفة. (بالإنجليزية: Queer). حرفيًا، يعنى بمصطلح كوير ما هو “غير اعتيادي” أو “غريب”، وكان هذا التعبير - ولا يزال - يُستخدم في الولايات المتحدة كنوعٍ من التحقير للأشخاص ذوي الرغبات الجنسية المثلية، مثله مثل كلمة “ شاذّ”. وقد استُخدم مصطلح “كوير”إصلاحيًا للمرة الأولى في أواخر ثمانينيات القرن المنصرم وتسعينياته من خلال سياسة مجموعتَي الناشطين/ الناشطات آكت أب (ائتلاف الإيدز لإطاق العنان للقوة) وكوير نايشن (أي أمّة الكوير)، وقد تمثّل النضال الرئيس لهاتين الجمعيّتين بدفع الحكومة الأميركية إلى معالجة أزمة الإيدز في مجتمع مثليّي الجنس. لم تكن الاستراتيجية السياسية تهدف إلى الاعتراف بالكوير جزءًا من الحياة فحسب، بل أيضًا إلى تحدّي “ المعياريّة” القائمة، بما في ذلك تعرية المعياريّة الغيرية كنظامٍ مفروغٍ منه في سيرورات الحياة اليومية. (عن موقع ويكي جندر). 4. بالرغم من فصل الدين عن الدولة وعلمنة السياسة في الغرب في ظاهر الأمر، إلّا أنّ النفوذ الإنجيليّ في السياسة الأمريكية على سبيل المثال قائم، واللوبي اليهوديّ الصهيونيّ يُعدّ من أكبر المؤثرين على السياسة الأمريكية. للاستزادة راجع مقالي عن إنجيليّة ترامب: https://bit.ly/3wZShWX مراجع: https://studybreaks.com/thoughts/cardi-b-feminist/ https://studybreaks.com/culture/music/wap-cardi-megan/ https://studybreaks.com/culture/music/womens-sexuality-in-wap/ https://www.humanrightscareers.com/issues/types-of-feminism-the-four-waves/ https://www.journals.uchicago.edu/doi/pdf/10.1086/495253?casa_token=zxsSlf8pHHwAAAAA:l_Wiv9XP_YI1Z4HNeg4rUnPd3isrrVexjmbUgiIBnUCDdu6MBKlslzfkB-abGagdR-Zr8iLzr42K https://www.tandfonline.com/doi/pdf/10.1300/J086v18n04_02?needAccess=true https://www.washingtonpost.com/opinions/the-day-the-deltas-marched-into-history/2013/03/01/eabbf130-811d-11e2-b99e-6baf4ebe42df_story.html?utm_term=.1eb4817ea7b6 https://the-toast.net/2014/04/21/suffragettes-sucked-white-supremacy-womens-rights/ https://iera.org/know-god-know-good-god-objective-morality/?fbclid=IwAR1nzCVR2P8G-xunOXcUIANvzN_rMy4XWuVsTVXaJimmsykumA3TE_aSKaY Hijab, Mohammad. Fifth-Wave Feminism (كتاب) https://www.cbsnews.com/news/the-gender-pay-gap-is-a-complete-myth/ http://freakonomics.com/podcast/the-true-story-of-the-gender-pay-gap-a-new-freakonomics-radio-podcast/ https://en.wikipedia.org/wiki/Christian_feminism https://en.wikipedia.org/wiki/Islamic_feminism https://www.theguardian.com/commentisfree/belief/2011/mar/29/why-feminists-less-religious-survey https://link.springer.com/article/10.1057/fr.2010.33 https://www.theguardian.com/commentisfree/2020/aug/15/cardi-b-megan-thee-stalion-wap-conservatives-female-sexuality https://www.gender.ed.ac.uk/cardi-bs-wap-through-a-gender-lens/ https://www.mic.com/articles/108458/fka-twigs-just-released-a-self-directed-video-and-it-s-groundbreaking https://en.wikipedia.org/wiki/WAP_(song) https://www.tarekgara.com/post/modern-feminism-gender-equality-wap https://genderiyya.xyz/wiki/%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%B1 https://bit.ly/3wZShWX

More
Modern Feminism, Gender Equality, and "WAP"

Modern Feminism, Gender Equality, and "WAP"

Since Feminism took off with an aspiring ambition for gender equality and “justice” for women, it became everyone’s speak trend, out of a real desire for tangible change. Yet, somehow, it also became a Twitter bio slogan for those who want to impress society, seem more sophisticated and aware, and jump on the bandwagon of “woke” human beings. Especially men, the majority of whom don't even know what feminism really is. Feminists want equality between men and women, which is to be achieved in every field and aspect. That includes the reinventing of well-established norms of rights, duties, and a whole sense of identity for women and presumably men as well. And that’s fine, except for the fact that modern feminists tend to seek these changes in such contradictory ways and tacky methods that makes them impractical to say the least. Moreover, what they’re seemingly trying to achieve deviates the attention from the real issues that women face on a day-to-day basis. While feminism—in its original definition—is advocacy for women’s right to equal and just treatment, therein lies the inherent problem in feminism: What do we want? Is it equality; intersectional, all-encompassing, non-discerning equality? Or is it justice, fairness, and the balance determined by the predisposition of the natures of the two genders? There exist two extreme viewpoints about feminism today. One being the belief that all practicing Muslims are by definition anti-feminist, simply because certain parts of the Islamic law preach against the de facto norms and social code of the West. The second extreme viewpoint about feminism is that of Muslims. Feminism has gained a bad reputation throughout the years, especially in the Middle East. This discrepancy between Islam (both the practical and the theoretical) and feminism (in all its forms) has been furthered by both sides who do not seem to understand each other. The question remains: should we discern between equality and justice? After all, if we treated every human being (regardless of their gender) similarly, we would still face issues of practicality and common sense. But to answer this question and encompass its divisions, we should first understand what feminism really is, and if this is the question or subject matter that they are working toward. Feminism, it should be noted (by Muslims and non-Muslims alike), is not one-size-fits-all. In fact, feminism as an ideology has very contradictory divisions, and many theoretical and practical disparities within the feminist groups exist. Feminists of the same wave may not agree with each other, and some may even criticize other feminists in such a way that labels them as extremist and radical. Dissecting the feminism waves, from the beginning of emergence in history until today, will give us a clearer picture of what feminism really is, and how, in my opinion, it was misconstrued by modern feminists of the fourth wave to become diabolical, thus subverting and overthrowing the real feminist movement that society should work toward. It may sound anti-feminist to argue that men and women aren’t equal. Most feminists disagree with the terminology, and thus argue that we should differentiate between “equal” and “same.” As such, while men and women are not the same, they ought to be equal. One could argue that this is true, but what practical importance does the argument that “same” and “equal” are not the same hold in the real world? Lack of sameness between men and women can be exemplified by their physiological, biological, and psychological needs. They are not the same. Feminists who aspire for equality between men and women define equality as the availability of equal access to women as it is for men, not necessarily the predisposed gendered capabilities. But then again, if they are not the same, it necessitates the existence of a disparity between the expectations and capabilities between them. If a man is capable of fulfilling a physically challenging job, a woman is not expected to do so efficiently, if at all. With this in mind, how is it logical to provide the same access to men and women alike? If a construction site refused to employ a woman because she is a woman, would that be discrimination? Per the apparent diagnosis, sure. But say the woman was already employed, and her efficiency was not meeting the requirements, and is not comparable with that of the men. Would it be wrong to let her go? Would it be wrong to pay her less? The paragraph above would probably disgust many feminists. Not because it’s wrong, but because one of two reasons: (1) it presupposes the incapability and inefficiency of women as a gender, without giving thought to individual or sectional exceptions, or because (2) it justifies unequal pay and/or misogynistic, sexist, discriminatory actions (e.g., unlawful layoffs) against women. This reaction would be understandable in today’s environment. Feminists argue that access is the defining factor. The choice, the option, the opportunity given to women to do what men “normally” do. And that is fine. I’m not saying a woman should stay home and (just) raise a family. That is not a career nor is it a life plan that satisfies the intelligent minds of many great women (even though I believe that family should be a mother's number-one priority.) A woman is not forbidden to seek a career and financially prosper; in fact, she is encouraged to do so, especially in this capitalist and dire economic tornado. But what do women really want? There is no definite answer. Just like there’s no definite answer to what men really want. The question then becomes more direct, to those who run the campaigns and manage the capital, usually men - feminist men. What is their end goal? And is it really helping oppressed women? Please note that this article can read as mansplaining feminism, which it is and isn’t. Labels and terms like “mansplaining” don’t serve the scientific fields nor do they further objective civil discussions. I mention it here before I get slammed with this label. In this article, I will study the feminist agenda, from its emergence (first wave) to its modernist development (fourth wave) and shed light on some fundamental flaws in the epistemological and theoretical approach of feminism. As an example, I will refer to Cardi B and her hit song “WAP.” All sources and references are cited at the end for convenience. First-wave Feminism: A Call to Action One of the defining moments in Western* history was marked by the emergence of feminism in the West. This emergence was very crucial for the attainment of rights for women in a society that was burdened with misogyny and female objectification. As Mohammad Hijab, a leading Muslim activist, notes, “first-wave feminism was, to a large extent, cause-driven.” This cause, he adds, had been “universal suffrage.” First-wave feminism emerged as a unifying front for women who wanted tangible change in not only the role of the female in society, but also for the societal view (most importantly the male view) to change from objectification and treatment as “property of men” to human beings—equal counterparts to men. The first feminist front was great in appearance, yet somehow also misguided and ill-formed. Emerging in the Unites States in the late 19th century, feminism started by uniting white women and working toward asserting their rights in society, most prominently the right to vote and participate in national politics. One would only assume this was a great goal and a divine mission, except for the fact that it was founded on racism, segregation, and white supremacy. Indeed, early feminists such as Elizabeth Stanton, Anna Shaw, Laura Clay, Frances Willard, and Rebecca Felton, prioritized white supremacy and its longevity over Black women (and men) being able to have equality. Policymaking history in the U.S. assents to this, as by 1920 the 19th Amendment came into effect, securing white women’s right to vote. It took, however, 45 years after that for the Voting Rights Act of 1965 to ratify, securing Black women’s right to vote in practice. First-wave feminists had one goal in mind, and that was rising white women on the social ladder to be equal to white men, while both Black men and women had no rights at all. Activists like Felton did not only refrain from joining the Black movement to obtain rights for all, but also worked actively to detach the (white-) feminist cause from Black people altogether, saying: “I do not want to see a negro man walk to the polls and vote on who should handle my tax money, while I myself cannot vote at all.” Stanton, a praised feminist activist and author (1815-1902) unabashedly stated: “What will we and our daughters suffer if these degraded black men are allowed to have the rights that would make them even worse than our Saxon fathers?” These remarks (and more of the same nature) exemplify the white feminist ideologues’ view of suffrage and feminism in general. A Black woman, in the eyes of white feminist women, was not of the same status. As Hijab notes, “the movement has many historical skeletons in its academic closet. White supremacy, for example, was an issue for early feminists.” This issue of racism and white supremacy was inherent in the ideologies and personalities of early feminists. Modern feminists who praise and revere early feminists would argue that this occurrence was a result of then-normal social standards, to which these feminists were exposed since childhood. But this argument is fallible and quite laughable. The reason why this argument is wrong is because it presupposes that objective morality is based on consensus and social pressure. As Hamza Tzortzis notes, “the proponents of this assertion face a huge issue. Firstly, it makes morals relative, as they are subject to inevitable social changes. Secondly, it leads to moral absurdities.” The argument on objective versus subjective morality can prolong and is not necessarily relevant here, yet Tzortzis makes a compelling argument: “If someone accepts consensus as a basis for morals, then how can we justify our moral position towards what the Nazis did in 1940s Germany? How can we claim that what they did was objectively morally wrong? Well, we cannot. Even if you claim that some people in Germany fought against the Nazis, the point is that there was a strong consensus supporting the evil.” First-wave feminism supported the evil from a standpoint of doing good for a certain sector of society: white women. It reached a point where “white women would not march with black women” to protest rights. It can then be said that first-wave feminism was not inclusive or intersectional; it detached gender from race, and was ideologically flawed and defective, thus furthering other pressing issues in society, such as segregation and white supremacy. * What happens in the West stays in the West (in general). Why I specifically note that this occurred in the West is important to understand the social and cultural effects and consequences of feminism that emerged in the West on the East (with particular interest in the Middle East). Second-wave Feminism: A Nudge Forward Second-wave feminism did not differ so much from the first wave, in that it focused on reshaping the role of the woman in the household and in society in general. It worked on obtaining equal rights in the workplace, in relationships, and in the domestic environment. It can be said that the first wave was a foot in the door, before demanding general stipulations for women in the second wave. Sparking a nationwide wave in the 60’s, “it was rooted in the anti-capitalist and anti-racist civil rights movements, but black women increasingly found themselves alienated from the central platforms of the mainstream women’s movement,” notes Vox. “Earning the right to work outside the home was not a major concern for black women, many of whom had to work outside the home anyway. And while black women and white women both advocated for reproductive freedom, black women wanted to fight not just for the right to contraception and abortions but also to stop the forced sterilization of people of color and people with disabilities, which was not a priority for the mainstream women’s movement. In response, some black feminists decamped from feminism to create womanism.” In the Miss America Pageant protest in 1968, feminist protesters argued against the event as degrading and demeaning to women. A Smithsonian report from 2018 notes: “One contention was “the degrading Mindless-Boob-Girlie Symbol.” Another was racism, since a woman of color had never won—and there had never been a black contestant. “Nor has there ever been a true Miss America—an American Indian,” they wrote. They also protested the military-industrial complex and the role of Miss America as a “death mascot” in entertaining the troops. They pointed to the consumeristic nature of corporate sponsorship of the pageant and the valuing of beauty as a measure of a woman’s worth. They lamented that with the crowning of every new Miss America, the previous winner was forced into pop culture obsolescence. They rejected the double standard that contestants were forced to be “both sexy and wholesome, delicate but able to cope, demure yet titillatingly bitchy.” The pageant represented the elevation of mediocrity—American women were encouraged to be “unoffensive, bland, apolitical”—and instilled this impoverished ambition in young girls.” The beginning of the second wave was still focused on white women, with a slight shift to race inclusivity and Black women’s rights, which did not work for most of the white feminists, seeing as it was still a contested issue among white supremacists, as well as the focus on white women’s issues in society. The canonical shift from idealistic, decorative standards to humanizing women, marked by the 1968 protest against the Miss America Pageant, was a nudge forward in furthering the feminist agenda of changing society’s view of women. The second wave questioned traditional roles of men and women, including family and domestic roles, producing what is known as mainstream feminism and radical or cultural feminism. The activism in the second wave was institutional, forming canonical precedents in American history. It is inaccurate to say that the second wave of feminism was not a continuity of the first wave. It is also inaccurate to say that it was. Western culture, especially that of the United States, has been cumulative; the cumulative morality, social standards, and ideologies all contributed to the status quo, whether that be the inherent racism or the presupposed American idealism. Is it safe to say that second-wave feminism was any better than the first wave? If anything, it challenged the social status of women in a society that was still deeply attached to its deformed social and cultural nuances piling up throughout the years, even before the United States was founded. Third-wave Feminism: Enter Intersectionality It is hard to define what third-wave feminism is, when it started, or for what reason. It isn’t hard, however, to define its characteristics, most prominent of which are the call for total freedom of women to do as pleased, as well as the intersectionality of feminism: the belief that gender and sex are not the same thing. The third wave can be characterized by the lack of sharp corners about race; third-wave feminists were more conscious of the racial disparities and the social status of Black women. This, in total contrast to the first wave back in the late 19th century, constituted a more inclusive feminism: one that understands and appreciates the equality of not only white men and women, but also the equality of white women and Black women. It is safe to assume that the third wave of feminism is the zenith of feminist ambition. After all, issues involving gender equality, workplace and domestic roles, as well as the societal change in behavior and assessment toward women, constituted feminist progress and achievement. From the late years of the second wave up until the fourth-wave era, it is hard to discern and clear-cut identify the waves. The continuity of certain ideas, values, goals, and missions from one wave to another makes it hard for us to label each era, despite prominent characteristics of each wave. Fourth-wave Feminism: Who Isn't a Feminist, and What Is a Feminist? Bustle gives six attributes to fourth-wave feminism: queer, sex-positive, trans-inclusive, anti-misandrist, body-positive, and digitally driven. These six attributes constitute what is known to many as the fourth wave of feminism. Many feminists argue that the fourth wave is yet to come; and if it has, it is notably subtler and quieter than its predecessors. In the internet age, it is difficult to assume positions of activism without having online presence that generates attention. That being said, it is also difficult to prompt actual activism through having an online presence, as it forms a gap between reality and fantasy, and creates fictional achievements through online campaigns. Nevertheless, fourth-wave feminism can be characterized, as can the first, second, and third waves, by a set of attributes that are unique to its era. Apart from being digitally driven, the fourth wave is characterized by its queerness and trans inclusivity. Critics of third-wave feminism argue that fourth-wave feminism should be inclusive, unlike the former waves, which did not accommodate or involve the non-white and trans communities. Another prominent characteristic can be the #MeToo movement and the scandalous sexual harassment incidents which sparked a national (bordering on global) movement about sexual harassment, rape, and woman treatment. Modern Feminism: A Critique In any traditionalist Muslim society, it’s quite uncomfortable and repulsive to identify as a feminist. As I mentioned in the beginning of this article, there is a strong sense of hatred geared toward feminism as a term, not necessarily as an ideology. Because Islam has provided a broad encompassing conceptual framework, it is rather superfluous to introduce Western ideas and vales to an ideology and a framework that, per Muslims, has provided all the necessary values for an exemplar life, whose source is one Divine God. This belief renders terms like “Feminist Muslim,” “Liberal Muslim,” or “Conservative Muslim” meaningless, wherein labels constructed and used in the West do not necessarily align with Islam, both in terminology and in values. By “traditionalist,” I don’t automatically mean a Muslim country, as in most Western viewpoints, such as Saudi Arabia. I use this term to describe adherents of Islam who fulfill two things: (1) a collective religious façade, and (2) compliance with Islamic jurisprudence enacted by the government or internalized theoretically. These two aspects of a traditionalist Muslim society are not the only decisive aspect of a label. Societies like in Saudi Arabia (in general) are considered extremely traditionalist and conservative, and the Saudi government does enact Sharia Law, ye