بين إنجيليّة ترامب وإرهاب أمريكا

نظرة تحليلية في إنجيليّة ترامب ونبوؤته المقدّسة، وربطها في إرهاب الولايات المتّحدة الأمريكيّة الذي التهم العراق ودمّر أفغانستان. كيفَ يمرّرُ ترامب أجندته عبر السياسة الخارجيّة الأمريكيّة؟ من المسيحيّة الصهيونيّة الداعمة لإسرائيل يكشف ترامب حقيقة دولته وتاريخها الدمويّ.


فلنبدأ بتعريفٍ قصير بماهية الإنجيليّة. تسمّى باللّغة الإنجليزيّة Evangelicalism، وهي حركة نصرانيّة (مسيحيّة) من ضمن مذهب البروتستانت المحافظ، نشأت في القرن الثامن عشر في أوروبا وأمريكا. باختصار، هي حركة تؤمن بوجود دولة مسيحيّة خالصة، مبنيّة على أعلويّة النصّ الإنجيليّ والمعتقد النصرانيّ. بالإضافة لذلك، تؤمن هذه الحركة برجوع المسيح المخلّص، أو الـقدوم الثـاني للمسيح، وعليه تبني مخطط التهيئة لقدومه. تسمّى هذه الحركة أيضاً باسم المسيحيّة الصهـيونــيّة، وهي من أكبر الداعمين لدولة إسرائيل في السياسة الأمريكية. قد يظنّ البعض أنّ مثل هذه الحركات ليست إلّا حركات نظريّة بلا توجّهات وأجندات فعليّة ملموسة. لكنّ هذا البعض سيتفاجئ حين يعرف أنّ الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب من أكبر الإنجيليين، وأنّه محاط في البيت الأبيض بأشخاص همّهُم الوحيد هو تأكيد استمرار النبوؤة التي يعمل عليها ترامب. ​ إذا ما نظرنا للحملة الرئاسيّة لدونالد ترامْب لانتخابات عام 2016 يزول العجب؛ فلطالما أكّد ترامْب على هويّته المركزيّة كمواطنٍ أمريكيّ معتنق للدين المسيحيّ، يؤمن بمفاهيم الرأسمالية والديموقراطيّة، و(لربما) نقيضها: أعلويّة العرق الآري واللون الأبيض، وسموّ المعتقد النصرانيّ على باقي الديانات. هذا هو الرئيس الأمريكيّ باختصار. لكنّ ترامب ليس الأوّل، فقد سبقه باراك أوباما وجورج بوش، فما الذي يميّز ترامب عن غيره؟ ​ لنتفق أوّلاً على هذه الحقيقة: أكبر إرهابيّ في العالم اليوم ليس داعش، وليس طالبان، وليس حركة القاعدة. إنّ أكبر إرهابيّ في القرن الواحد والعشرين (وحتى قبل ذلك بـِ3 قرون) هي الولايات المتّحدة الأمريكيّة بلا منازع، وإذا ما أردنا إحصاء عدد القتلى والجرحى والمشرّدين ومسلوبي الهويّة، فلن تسعفنا أطول فاتورة حرب. أمريكا هي المسبّب الأول للحروب في الشرق الأوسط، ولا زالت تعبث في دول أمريكا اللاتينيّة منذ أن نشأت واقتتلت مع المكسيك عام 1846 وعزمت على "شراء" جزيرة كوبا من إسبانيا كدولة عبيد (slave state) عام 1854 فيما يُعرَف باسم بـيان أوستند. مهّد هذا كلّه، مع الحروب والأزمات في أمريكا اللاتينيّة التي كان لها رابط مع الولايات الأمريكيّة إلى الحرب الأهليّة الأمريكيّة. أقدم العالم على الحرب العالميّة الأولى ومن ثم الثانية، وتسلّقت أمريكا سلّم القوى العظمى حتى أصبحت مهيمنة (hegemon) في كل المجالات ومؤثراً مباشراً في دول العالم الضعيفة. هكذا أخذت أمريكا حريّتها بالتدخّل لإنقاذ دول العالم المتهالكة كالعراق وتعريفها بالديموقراطيّة السّمحة في بدايات القرن الواحد والعشرين. كلّ هذا بعد أن كانت (وما زالت) تطضهد الأفرو-أمريكيين والأقليات، وتعاني من أزمات إجتماعيّة تنخر بعمودها الفقريّ على مهلٍ - وها هي تحصد الثمار بعد مقتل جورج فلويد. ​ بدأ ترامْب مسيرته السياسيّة في قرابة عام 1987. كان قبل ذلك رجل أعمال مشهور، ورث إمبراطورية أبيه، وأضحوكة تلفزيونيّة. تَسَجَّلَ ترامب كجمهوريٍّ عام 1987، وانتقل مرتين منه؛ إلى حزب الإصلاح مرّة وإلى الحزب الديموقراطيّ بعدها، ثم رجع إلى حيث ينتمي: الحزب الجمهوريّ. حاولَ الترشّح للرئاسة عام 2000 ممثلاً عن حزب الإصلاح ولم يحظى بدعمٍ كبير - فانسحب. لم تكُن لديه أي فرصة أمام جورج بوش. في عام 2004 فكّر بالترشّح مرة أخرى، لكنّه لم يقدُم على ذلك. أمّا في عام 2008 فقد أيّد جون مكاين - المرشّح الخاسر أمام باراك أوباما. وصلنا لفترة حُكمِ أوباما. في عام 2011، وقد أكمل أوباما 3 سنوات في البيت الأبيض، دُعِيَ ترامب لـعشاء المراسلين السنويّ، الذي يضمّ كل مراسلي البيت الأبيض. في السهرة أقدم أوباما على السخرية من ترامْب، الذي كان يعمل مقدّماً في برنامج The Celebrity Apprentice الشهير، والاستهزاء به لأكثر من 5 دقائق، على وقع أصوات الضحك من حوله. مرّت 5 سنوات، وفاز ترامْب بانتخابات الرئاسة بعد أن أنهى أوباما 8 سنوات كاملة. هناك من يقول أنّ تلك الليلة كانت اللحظة الفاصلة في حياة ترامب، وعلى إثرها قرّر الترشّح للرئاسة. وبغضّ النظر عن أنّ ترامب نفسه قد دحض هذه النظريّة، إلّا أنّه ليس لديه من الحنكة السياسيّة والذكاء الإجتماعيّ أو العاطفيّ ما يؤهله للترشّح بأجندةٍ يريد بها مصلحة الشعب الأمريكيّ. صحيحٌ أنّ شعاره في إنتخابات عام 2016 كان "اجعل أمريكا عظيمة مجدداً" أو "أرجِع عظمة أمريكا" - Make America Great Again، واليوم شعاره "أبقِ أمريكا عظيمة" Keep America Great، وكأنّه أوفى بوعوده وحقّقَ آمال الشعب الأمريكي، الذي يهيج اليوم على إثر عنف الشّرطة المستمرّ ضدّ الأفرو-أمريكيين. ولكنّ هذه الشعارات لم تأتي من ترامب نفسه، فقواه العقليّة لا ترقى لأن تكون من مستوى طفلٍ في المدرسة الإبتدائيّة. ​ بَيْدَ أنّ نظريات المؤامرة المتداولة بين العرب عامّة والمسلمين خاصّة قد يكون معظمها ضعيف الأساس وركيك الصّياغة، إلّا أنّ إنجيليّة ترامْب (أي تبعيّته للحزب الإنجيليّ والمسيحيّة الصهيونيّة) أقرب للحقيقة منها إلى النظريّة. لم يكُن في بال ترامْب أن يترشّح للرئاسة ليمثّل المسيحيّة الصهيونيّة أو يطبّق نبوؤات الكتاب المقدّس، بل كان ذلك بعد أن أصبح رئيساً رسمياً. في مقالةٍ لجريدة نيويورك تايمز، ذُكِرَ أنّ ترشّح ترامْب للرئاسة بدأ بكونه تهيئة للإنتقام واكتساب المكانة والاعتبار، فقد كان على مرّ السنوات أضحوكةً تلفزيونيّة، وشخصيّة مشهورة لا تؤخذ بجديّة، بل باستهزاء واستهتار. المُضحِك في الموضوع أنّه ما زال أضحوكة العالَم، مع كونه رئيس "أقوى دولة في العالَم." ​ في العقدين الأخيرين، ومع ارتفاع ملحوظ لـفكرة الإسلام السياسيّ في الدول العربيّة، أهمّها حزب الإخوان المسلمين في مِصر وحزب التحرير في عديد من الدول، تمّ تشويه صورة الإسلام السياسيّ وتصوير "خلط الدّين بالسياسة" على أنّه آفة يجب استخلاصها، وتم تجنيد العِلمانيين والملحدين من العرب والمسلمين لنقدِ هَذه الفِكرةِ أساساً، بِحُجّة أنَّنا لسنا بِحاجَةٍ لها، وأنّ علينا مُماثلة الغربِ في طُرُقِ حُكمِهم العلمانيّة. لكن غالباً ما يغفل هؤلاء عن حقيقة دينيّة الدول الغربيّة - مثلاً، الولايات المتّحدة، التي أغلب سكّانها من الإنجيليين! تشدّدُ الحركة الإنجيليّة فكرة حَرفِيَّة الكتاب المقدّس، ويؤمن الإنجيليّون بفكرة تخليص المسيح للبشريّة، أو المجيء الثاني للمسيح، التي سيقضي بها على الكفّار ويسود الأرض.


بغضّ النظر عن اختلاف المسمّيات والحيثيّات العقائديّة، يشكّلُ الإنجيليّون 6% إلى 40% من مسيحيي الولايات المتّحدة الأمريكيّة، و81% منهم، حسب إحصائيات الإنتخابات الأمريكيّة عام 2016 صوتوا لترامب - بحسب موقع ويكيبيديا. وإذا قمنا بعمليّة حساب بسيطة، نجدُ أنّ 35% من النصارى الأمريكيين يعادلون ما يقارب الـ85 مليون إنجيليّ. يؤمن الإنجيليون بفكرة "أمريكا المسيحيّة" أو Christian America، أي دولة دينيّة بامتياز، يتّبعون فيها الدستور الدينيّ الذي ينصّه الكتاب المقدّس حرفيّاً، ويأخذون ما فيه كأجندة واستراتيجيّة وخريطة. فعندما تمّ نَقلُ السّفارة الأمريكيّة إلى القدس، تمّت الخطوة بمباركة إنجيليّة. ​ يعتقد البعض أنّ الصهيونيّة حكرٌ على اليهود لأنّها حركة أيديولوجيّة تصف حصول بني إسرائيل على وطن لهُم. قد تتعجب من هذه المعلومة: 80% على الأقل من الإنجيليون يؤمنون بفكرة "جمع إسرائيل" أو קיבוץ גלויות على أنّها نبوؤة من الكتاب المقدس، ويؤمنون أنّها شرط لازم من شروط عودة المسيح. حركة الصهيونيّة المسيحيّة (Christian Zionism) هي أكبر الداعمين لدولة إسرائيل من الولايات المتّحدة. ​ قد لا يتّسمُ ترامب بالصفات المسيحيّة البارزة، قد لا يلبس الصليب أو يُصوّر وهو يتلو آياتٍ من الإنجيل، أو يشارك في "خدمة يوم الأحد" أسبوعياً، لكنّه يحكُمُ بالإنجيل كخريطة نبوؤات تتحقق واحدة تلو الأخرى، مهيأةً و"مبشّرة" بقدوم المسيح. وسياسته الخارجيّة شاهدة على ذلك. ​ إنّ استقراء التاريخ الحديث والقديم نسبياً يُطلعُنا على أكبر حملات الإرهاب الأمريكيّ في العالم. وبصرفِ النظر عن الوجه العلمانيّ لهذه العمليات، إلّا أنّها تتسم ببعض التحزّب. والعجيب في الأمر أنّ أوباما - من أصلٍ إفريقيّ - يدعم قصف الشرق الأوسط وانتهاز أي فرصة لاستغلال الشعوب الضعيفة. فهَل يتبع أجندة إنجيليّة؟ بالطبعِ لا، فقد كان من وقف ضدّه هُم الإنجيليين والجمهوريين والمحافِظين. لكنّ الأمر مع ترامب مختلفٌ تماماً. فهو أبيضُ اللّون تربّى على الحياة الرأسماليّة والبيضاء في غالبها. ​ لكنّ ما يحدُث في عهد ترامب أقرب ما يكون إلى أجندة إنجيليّة، خاصّةً أنّ أغلب داعميه هُم من هذه الفئة. الخلاصة: اجتمع العلمانيون العرب على كره أردوغان وسياساته و"تديينه" للدولة، ويصفونه بالخليفة المتطرف الإرهابيّ قامع الحريات وداعم الإرهاب. لكن لم نسمَعْهُم ولن نسمَعَهُم يتطرقون للسياسة الأمريكيّة وتأثير الصهيونيّة المسيحيّة على القرارات السياسيّة التي يتخذها ترامب. بل على العكس، فهُم يمجّدون الحضارة الغربيّة! ​ باختصار، يحقّ للأمريكيين البيض، الذين يوصف أغلبهم بالغباء الفكري والرجعيّة العلميّة والتعنّت والبلادة وعدم قبول الآخر (حتى من نفس الدّين إن كانَ أسودَ البشرة!) أن يطالبوا بدولة دينيّة هي ليست أساساً نابعة من العدل أو حتى المساواة، بل مبنية على فكرة الأعلويّة المسيحيّة Christian privilege، ولا يحقّ للمسلمين أن يطالبوا بدولةٍ دينيّة، وهي مبنيّة على أسس العدل الإلهي وتطبيق الشريعة الإسلاميّة العادلة.

Copyright © 2021 by Tarek Gara. All Rights Reserved.

About ∙ Donate ∙ Newsletter ∙ Privacy Policy ∙ Disclaimer Services

Weekly insights, right to your inbox:

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • Amazon
  • book-bub-icon
  • Goodreads