الأخلاق: بين الموضوعية والتراكمية والضغط الإجتماعي

من الذي يحدد الأخلاق في المجتمع؟ إذا ما نظرنا للمجتمع الغربي، نجد أنّ العامل المؤثر بشكل أساسي على أخلاق الناس وتصرفاتهم إنما هو استقبال الناس لهذه التصرفات وردة فعلهم عليها، لا الموضوعية الحيادية للأخلاق للفرد نفسه.


فموضوع العنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً، لم ينته بعد - بل يُعتَقدُ أنّ مشكلة العنصرية ضدّ السود والأفرو-أمريكيين هناك لن تنتهي قريباً. فخُذ مثلاً مدينة معيّنة في ولاية معيّنة في أمريكا - تلك التي لم تصلها تبعات العولمة والتحضّر المتأخر حتى قُبَيل السبعينيات، ثم قارنها بنفسها في وقت متأخرٍ أكثر كالعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تجد أنّ الغالبية البيضاء في الماضي اضطهدت الأقلية السوداء عن تبعية عمياء - أي لأن الوضع القائم ليس فقط سمح بذلك، بل أقرّه. وبالمقابل، تجد هذه الأغلبية البيضاء اليوم تبتعد شيئاً فشيئا عن تلك النظرة العنصرية لعدة أسباب. والسؤال هنا هل تكوّن الأخلاق سبباً رئيساً في هذا التغيير، أم أن نظرة المجتمع وتبعات العنصرية والضغط الإجتماعي هو العامل الأساسي والوحيد؟ الواضح أنّ أكثر الناس عنصرية في أمريكا هُم أولئك الذين يعرّفون أنفسهم كمحافظين - ينتمي أكثرهم للحزب الجمهوري - أي المتديّنين.


انتشرت في العامين الأخيرين مقاطع مصوّرة لنساء بِيض في مواقف فاضحة لعنصريّتهنّ وأسلوبهنّ المخزي والمحرّض ضدّ الأقليات - وخاصّة ضدّ السود. وصار اسمُ كارِن (Karen) وصفاً لكلّ امرأة تتصرّف بتلك الطريقة. والغريب في هذه المقاطع المصوّرة هو أنّ جزءاً لا بأس به من تلك النسوة يراجعن أنفسهنّ ويعتذرن بعد انتشار المقطع، والحقيقة هي أنّ هذا الاعتذار والتراجع ليس نتيجة وجود ضمير يقظ يملي عليهنّ أخلاقهنّ، وليس نتيجة وجود أخلاق موضوعيّة غير تراكمية منفصلة عن المشاعر والأحاسيس الإنسانية، خارج المنظومة الشعورية والذاتية للإنسان. بل السبب هو الضغط الإجتماعي. والدليل هو أنّ الاعتذار عادةً ما يكون نتيجة لخسارة تلك المرأة العنصريّة وظيفتها في شركة ما، أو منحتها الجامعية، أو أصدقائها ومعارفها. بل وأكثر من ذلك، فهي خسرت حياتها تماماً - لم تُشَهَّر على التلفاز الوطني فقط، بل لن يقبل تشغيلها أحدٌ عنده أبداً.


هذا ما يحدث للمجتمع الذي يؤمن بالأخلاق التراكمية والذاتية. أما الإسلام فيقرّ أنّ الله هو مصدر الأخلاق، أي أنّه لا وجود للأخلاق الذاتية التي تتبع الأحاسيس الإنسانية والمشاعر المتغيّرة مع تغيّر السياق والزمان والمكان. في مجتمع تكون فيه القيم والأخلاق تراكمية، كما يبيّن حمزة تزورتزس في كتابه "الحقيقة الإلهية: الله والإسلام وسراب الإلحاد"، لا يمكن أن تلقي اللوم على النازيين في ألمانيا، أو على داعش، أو الـKKK، وذلك لأن الأخلاق والقيم في ذلك الزمان هي مرتبطة إمّا بالضغط الإجتماعي social pressure أو بِكَون الأخلاق موجودة بصفاتها وتعريفاتها كما هي، منفصلة عن الإنسان ومشاعره وأيضاً عن الله وكينونته - وهو ما يسمى بالواقعية الأخلاقية moral realism. وهذين الادعاءين باطلين لأنّ كون الضغط الإجتماعي هو المحدّد للأخلاق فعلى الدنيا السلام - فداعش والنازيون والـKKK لا بأس عليهم، لأنهم اتبعوا الوضع القائم (تماماً كما اتبع البيض الوضع القائم في أمريكا ضدّ الأفارقة). وأما الواقعية الأخلاقية فلا يمكن تفسيرها، ذلك أنّ تعريف الأخلاق نابعٌ من كونها متّصلة بكينونة معيّنة. فإذا ما استبعدنا احتمالية وجود أساسها عند الإنسان، كان لا بدّ أن نجد لها أساساً غيره، فلا يمكنها أن توجَد بلا أساس في الفراغ. وهذا الأساس لا بدّ أن يكون الله سبحانه وتعالى، لأنّ كونَ الأخلاق موضوعية يوجِب علينا أن نتّبعها، ولا يكون ذلك شرطاً إذا ما كانت الأخلاق بلا مصدر محدّد.


والنتيجة: لم تكُن العنصريّة في الإسلام أبداً، وما زال الغرب متوحلاً بمشكلة العنصرية وغيرها من المشاكل الأخلاقية التي لم يجد لها حلاً أو إجابةً مقنعة.


للتوسّع: https://bit.ly/2OAe1Ye https://bit.ly/3l0GGSt

Copyright © 2021 by Tarek Gara. All Rights Reserved.

About ∙ Donate ∙ Newsletter ∙ Privacy Policy ∙ Disclaimer Services

Weekly insights, right to your inbox:

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • Amazon
  • book-bub-icon
  • Goodreads