النهضة

مدونة

بيتا

أردوغان: أجندة إسلامية أم إستراتيجيات سياسية

سياسة، دين

طارق غره             19.06.2020

نظرة تحليلية في هوية أردوغان السياسة والإسلامية. هل يمكننا الخوض في تحليل السياسة التركية على أنها دولة إسلامية تحاول النجاو في ظل الهيمنة الأوروبية؟

فاقت شعبيّة الرئيس التركيّ في العالم العربيّ والإسلاميّ حتى شعبيّته في بلده تركيا، فقد أصبح في نظر البعض قائداً للأمّة جمعاء، حيث أنّه يحكُمُ حسب الشريعة الإسلاميّة. يمثّل أردوغان الأمّة الإسلامية في المحافل الدوليّة، مناقشاً قضايا المسلمين المظلومين والمشرّدين والذين بلا وطن حول العالم. لكثيرٍ من المسلمين، يُعتَبَرُ أردوغان قائداً جيّداً، بل عظيماً. من المهمّ أن أنوّه على أنّ أردوغان ليس محبوباً في تركيا كما يظن البعض. قد يكون هذا تفسيراً لوشاكة خسارته في الإنتخابات الأخيرة.

حوّل أردوغان تركيا بشكل باهر من دولة مستهلِكة إلى دولة صناعيّة مُنتِجَة تصدّر البضائع لكلّ دول العالم.أصبحت تركيا في عهد أردوغان، عملاق الإقتصاد الذي يخاف منه الغرب. وقفته الصّامدة أمام العالم السفليّ في الغرب، بالإضافة لتواجده القويّ والمحترَم في السّاحة السياسيّة في الشرق الأوسط جعلاه ما هو عليه اليوم في العالم الإسلاميّ: قائد المسلمين المحبوب.

لكنّ الأمر ليس بهذه السّهولة. مع أنّ المسلمين يحبون أردوغان بشكلٍ عامّ، إلّا أنّ هناك بعض الأحزاب والجهات الإسلاميّة التي لا يُعجِبُها السلطان التركيّ، أهمّهم الأحزاب المسلمة التي لا يؤمن أعضاؤها بالحُكمِ الديموقراطيّ أو بالوصول للحُكمِ الإسلاميّ عبر الديموقراطيّة، والأحزاب الـ"إسلاميّة" غير المتديّنة أو العلمانيّة، التي لا يؤمن أعضاؤها بأنّ الإسلام "طريقة عيش" فقط ولا يصلح للحُكمِ السياسيّ، وينادون بفصلِ الدّين عن السياسة. هذه التوجهات تنبع من خلفيّة عقائديّة، ولكنّها غير دقيقة تماماً.

أبقِ الإسلام داخل المساجد

لا يتّبع العلمانيون القوانين الإسلاميّة بصرامة، بل نادراً ما يتّبعون التعاليم الصحيحة الصريحة للإسلام، فهُم يأخذون الإسلام على أنّه دين بطقوس وممارسات تعبّديّة لا أكثر. لكنّه للمسلمين نهج حياة وطريقة عيش عامّة – منظومة كاملة من القوانين التي تعنى بشتّى مجالات الحياة – السياسيّة والإجتماعيّة والإقتصاديّة والفرديّة. يؤمن العلمانيون بأنّ الدين يجب أن يُحصَر بين حوائط الفردانيّة الضيّقة. أمّا عن رأيهم بأردوغان، فهُو لا يُعجِبُهُم. أردوغان بالنّسبة لهُم مجرّد حاكم دكتاتوريّ ظالم، يفضّل العقيدة والإيمان على حقوق الإنسان. وغالباً ما ينتقدون طريقة حُكمِه وقراراته السياسيّة بل وحتّى عقيدته التي يؤمن بها.

بين هذا وذاك

يشكّل المسلمون الذين "يحبّون" أردوغان الأغلبيّة العُظمى في العالم العربيّ. يأخذون الإسلام بجدّيّة ويؤمنون بأنّه نظام حياة كامل، يشمل القانون السياسي فيه. إعجابُهُم بأردوغان نابعٌ مِن صورته كقائد إسلاميّ قدّم الكثير للأمّة الإسلاميّة كي تنهض، فقد حاول العالم الإسلاميّ النهوض لعقودٍ من الزمن، وما زالت تعصف به دوراتٌ متواصلة من الدكتاتوريات الظالمة التي تحكُمُهم، كعبد الفتّاح السيسي في مصر، ومحمد بن سلمان في السعوديّة، وبشار الأسد في سوريا. لأنّ أردوغان لا يتّفق مع هؤلاء، بل يعاديهُم ويعادونه، ولأنّ مثل هذه القادات مكروهة وملعونة في أرجاء الأوطان العربيّة، يمثّل أردوغان شخصيّة البطل أمام الشرّ المُظلِم الظالم لشعوبه. فعندما يقوم أردوغان بعملٍ بصبغة إسلاميّة يستحق الثناء، يرى المسلمون فيه ما يُعجِبهم.

لا إسلام عبر الديموقراطيّة

يُعتَبَرُ حزب التحرير الإسلاميّ أحدَ أبرز المعارضين والناقدين للحُكمِ الإسلاميّ عبر الديموقراطيّة. يؤمنُ – هُم ومن يشابههم – بأنّ الديموقراطيّة طريقة حُكمٍ سامّة، أنهكت وأهلكت البلاد في الشرق الأوسط. على الدّولة الإسلاميّة الحقّة أن تأخذ منحنىً معاكساً للديموقراطيّة والمفاهيم الغربيّة، إمّا قولاً أو عملاً أو كلاهما. الوصول للحُكم عبر الديموقراطيّة ومن ثمّ تحويل الديموقراطيّة تلكَ إلى حُكمٍ إسلاميّ ليس خياراً متاحاً عندَهُم. هدفُهُم هو استبدال النظام الإجتماعيّ والسياسيّ استبدالاً كاملاً بالإسلام. قد يعكس المثل الشهير، الذي غالباً ما يُذكَرُ باطلاً على أنّه حديث نبويّ شريف، وجهة نظر هذه الأحزاب: "ما بُنِيَ على باطلٍ فهوَ باطِل."

لا يوجد في الإسلام ما اسمه "قانون وضعيّ" – فأحكام الحياة والقانون الشرعيّ تأتي من المشرّع (الله جلّ جلاله) عبر الوحي: القرآن والسنّة، بالإضافة لمصادر تشريع أخرى. الديموقراطيّة فُرِضَت على المسلمين من قِبَل الغرب، جاعلةً الحُكمَ الإسلاميّ (كالعثمانيّ) قديماً وتالفاً، بل وغير عمليّ ومستحيل في أعين المسلمين. يؤمنُ بعض المسلمين أنّه لا مناص من التماشي مع التّيّار وتحويل ديموقراطيّةٍ إلى حُكمٍ إسلاميّ. لكنّ هذه العمليّة – إن تكلّلت بالنجاح – سيظلّ فيها أثرٌ قبيح ممّا سبقها من ديموقراطيّة.

لكن إن كان أردوغان يعملُ من أجل المسلمين، ويَحكُمُ بالإسلام فيما يقدر، ألا يجعل ذلك منه قائداً إسلاميّاً حتى وإن كان ذلك بواسطة الديموقراطيّة؟

الحقيقة هي أنّ هذا التوجّه الإسلاميّ في الحُكمِ "الصّافي" – ذلك الذي يستبدلُ الديموقراطيّة مثلاً – هو نظريّ في أصله. هذه الفكرة غير عمليّة إذا أردنا تطبيقها في الحياة الحقيقيّة. قُم بأخذ دولةٍ ديموقراطيّة واشرح كيف تستطيع انتزاع وخلع الديموقراطيّة المتجذّرة بسهولة، بلا حربٍ أو إنقلاب أو ثورة سياسيّة أو عسكريّة. كلّ هذه الوسائل حتميٌّ أن يَنتُجَ عنها خسائر بشريّة وماليّة، وكذلك الدمار.

لا يهُمُّ أردوغان تشكيل حُكمٍ إسلاميّ أو دولة إسلاميّة "صافية" – فما زال الرئيس التركيّ يُنظَرُ إليه كقائد مسلِم بسبب عقيدته وطريقة حُكمِه. لكنّ أردوغان ممتنعٌ عن إعلان حُكمٍ إسلاميّ لأسباب عدّة، أهمّها المعارضة الإجتماعيّة والدُوَلِيَّة.

يعتقدُ ناقدو أردوغان المسلمون أنّ حُكمَهُ الإسلاميّ لاغٍ ولا يؤخذ به. بغضّ النّظر عن ما يفعله، سواء كان جيّداً أم سيّئاً، ما زال أردوغان غير مُرضٍ لمرادِهِم من الحاكِم المُسلِم. لا بدّ من ذِكر أنّ هناك مَن هُم على صوابٍ في نَقدِهِم لأردوغان، فتوجهاته السياسيّة (الرسميّة والمخفيّة) من تحالفات مع روسيا والولايات المتّحدة وإيران تُعتَبَرُ خيانةً للأمّة.

ليس أردوغان هو الوحيد الذي يحكُمُ بالإسلام – أو يحاول ذلك – فقد انتقد معارضو أردوغان الرئيس المصريّ الراحل محمّد مرسي (رحمه الله) من قبله، لكونه اتّبَعَ القانون الديموقراطيّ ووصل للحُكمِ عبره. لكنّ الفرق بين أنواع الحُكمِ اليوم غير صريح وصعب الملاحظة. ومدى كُرهِ أو حبّ أردوغان يختلف من حزب إلى آخر حسبَ تسميته وهويته. فحزب التحرير مثلاً يُعتَبَرُ حزباً إسلاميّاً من قِبَل معظم المسلمين، ويُعتَبَرُ إسلامياً متطرّفاً من قِبَلِ العلمانيين. بالمقابل، ناقدو أردوغان وأعداؤه كحزب الله لا يُعتَبَرون مسلمين أو إسلاميين، مع أنّهم يدّعون أنّهم يمثّلون الإسلام. وكذلك الحال مع داعش التي انقضى نَحْبها.

كم تعدّ أعمال أردوغان إسلاميّة؟

ليس كلّ ما يقوم أردوغان بفعله ينبع بالضرورة من خلفيّة دينيّة. نادراً ما يكون لتصرّفاته أو قراراته أيّ دخلٍ بالدّين، فإن عَزَمَ أردوغان على إرسال قوّاته إلى ليبيا للقتال ضدّ حفتر، قد يكون هذا القرار نتيجةً لعوامل سياسيّة أو إقتصاديّة، لا لمساعدة الطرف الثّاني. عندما يلتقي أردوغان بدونالد ترامب، فإنّه يقوم بذلك لأسباب إقتصاديّة في الغالب، ليس لإظهار "قوّته" ضدّ أقوى دولة في العالَم.

ليست أهداف أردوغان دينيّة بالكامل. صحيحٌ أنّه "يهتمّ" بأمر اللاجئين السوريين، وربما يحزن لأجلِهم بعد أن خسروا وطنهم، ولذا يريد أن يُرجِعَهُم لمنطقةٍ آمنةٍ في بلدِهِم. لكنّه أيضاً قلقٌ من أن يتدهور الحال الإقتصاديّ في تركيا، وقلقٌ حيال الأمن القوميّ التركيّ والضغط الدُوَلِيّ.

إن كانَت المُعادلة كذلك، فإنّ مصافحة أردوغان لأيدي فلاديمير بوتين ودونالد ترامْب وإمانويل ماكرون وحسن نصر الله تُعَدُّ خِيانةً، بل حتّى ارتداد، فهُو يقوم بالتآمر مع دُوَلٍ غير إسلاميّة تشنّ عدوانها ليل نهار على الأمّة الإسلاميّة، وهذا ممنوع حسب الدّين الإسلاميّ. أن نقوم بالحُكمِ على أردوغان كرئيس لدولةٍ إسلاميّة يخلِقُ مشكلة ومُعضِلَة عندما يقوم أردوغان نفسه بعملٍ أو بأخذِ قرارٍ منافٍ للعقيدة الإسلاميّة. وبما أنّ أردوغان ليس بنبيٍّ أو برتبةٍ أعلى من غيره من المسلمين، فـالثّقة العمياء بعمله بلا نقدٍ أو رقابة مشكلةٌ أكبر. بالنّهاية، هو بشرٌ يُخطِئُ ويُصيب.

هُنا يَقَعُ مؤيدو أردوغان بالحُفرة التي حفرها العلمانيون. بعضُ القرارات التي يأخُذها أردوغان مبنيّة بالكامل على مخطّطٍ سياسيٍّ أو إقتصاديّ بحت، تابعٍ لدولةٍ اسمها تركياـ والتي هو رئيسها. إذا كان الإقتصاد التركيّ مُعتمِدٌ لسببٍ ما على تقديم المساعدات لإسرائيل أو السماح بقاعدةٍ عسكريّة أمريكيّة في الأراضي التركيّة، فلا خَيار لأردوغان إلّا الموافقة، ولن يكونَ ذلك لأسبابٍ دينيّة. بالمقابل، قد يكونُ هُناك بعض التأثير الدينيّ على بعض القرارات – فهو مسلمً بالعقيدة، ويصدح بإسلامه بلا تردّد. يفتخر أردوغان بكونِه مسلماً، على عكس باقي الرؤساء العرب، وقدّم أيضاً لشعبِه (على الأقل) أكثر مما قدّموا هُم لشعوبِهِم، وَقَف مع المسلمين ضدّ الأنظمة الإرهابيّة القامعة.

الأعراب والأتراك: أصدقاء أم أعداء؟

يمتدّ تاريخ العلاقة بين العَرَب والأتراك إلى ما قبل القرن الثامن. الوصلة الوحيدة المركزيّة بين العرقين كان الإسلام. قاتل الشعب التركيّ مع العَرَب في الدّولة العبّاسيّة في معركة نهر طلاس ضدّ الصّين عام 751م، وضمّ الخليفة العبّاسيّ آنذاك الأراضي التركيّة لدولته، ودخل الأتراك الصفوف العسكريّة العبّاسيّة حتّى تسلّقوا قمّة الرُّتَب. ومع السنين، دخل جمعٌ كبير من الأتراك في الإسلام، هادمين الحدود والإختلافات الوطنيّة وموحِّدين المسلمين – عرب وتُرك – تحت مظلّة الدّين. بعد أنْ طَلَبَ الخليفة العبّاسيّ مساعدة السّلطان السلجوقيّ إثر غزو بغداد على يد الإمبراطوريّة الشيعية البويهيّة، وبعد أنْ عزّزَ طُغرُل بِك مؤسس الإمبراطوريّة السلجوقيّة الروابط بين العرب والأتراك بزواجة من ابنة الخليفة، أصبحت الدّولة السلجوقيّة هي من تقود العالَم الإسلاميّ، بعد أن احتلّت المناطق العربيّة. وعندما انتهت حقبة السلجوقيين، تقدّم العثمانيون للحُكمِ يُقسِمون على خدمة الإسلام، فبايعتهم الأمّة الإسلاميّة.

علاقة العرب بالأتراك بُنيت آنذاك على أسس الدّين والعقيدة. خَدَمَ العثامنيّون الإسلامَ وحظوا بدعمٍ من العرب، الذي عُومِلوا كأخوة في الدّين لكونهم انحدروا من أرض مولد الرّسول صلى الله عليه وسلم. عاش العرب لعدّة قرون تحت الحُكم العثمانيّ، حتّى بدأت الوطنيّة العربيّة تعصف في أرجاء الدّولة قُبَيل الحرب العالميّة الأولى، ومع صعود حزب تركيا الفتاة للحُكم، ازداد قلقُ العرب وغير الأتراك حيال الوحدة الدّينيّة. فإن زالت هذه الوحدة الدينيّة، ستنشأ وحدات وطنيّة حسب المنطقة. تبنّت تركيا الفتاة مبدأ العثمانيّة، والذي سيُثبِتُ فشله لاحقاً، مانحةً الطّريق للوطنيّة التركيّة بالبروز والطغي على الدّولة. وتَبِعَ ذلك قوىً إمبرياليّة تبثّ حملاتٍ من الإضطهاد والظُلمِ تجاه العرب، فمنعوا اللّغة العربيّة قراءةً وكتابة، وقتلوا الوطنيّين العرب، وأجبروا أطفالهم على التعلّم في المدارس التركيّة.

Sykes-Picot-map.jpg

اشترك في النّشرة البريديّة لتصلك أفضل مقالاتنا عند نشرها، بالإضافة إلى قائمةٍ أسبوعيّة بمقالاتٍ وكُتُب مختارة من قرّائنا.

عندما أبدى العرب استياءهم من الدّولة التركيّة الجديدة، وبدأت علاماتُ التمرّد بالظهور – مُرَكَّزَةً في معارضة حسين بن علي، شريف مكّة، للحُكمِ التركيّ، كان ردُّ الأتراك بإرسال قوّاتهم بين العرب لإطفاء الحرائق. وعندما أدرك العرب غياب قوّة مركزيّة تردّ لهُم حقوقهم غير التركيّة، التجأوا إلى طلب مساعدة بريطانيا. وُعِدَ الشّريف حسين بأرضٍ تشكّل دولة عربيّة مستقلّة عن تركيا، ولكن سرعانَ ما طُعِنَ في ظهره ونُفِيَ إلى قبرص. وقسّمت إتفاقيّة سايكس-بيكو المنطقة حسب الأجندة البريطانيّة والفرنسيّة.

بعد الحرب العالميّة الثانيّة، انسحبت القوى الإستعماريّة – فرنسا وبريطانيا – من المنطقة، تاركينَ العرب تحت حكوماتٍ تعتمد على الدّعم الغربيّ لها. حكوماتٌ عميلة، ضعيفة ومشتّتة. بدأ وقتها إلقاء اللّوم بين العرب والأتراك. زَعَمَ العرب أن الأتراك احتلوا واستعمروا الأراضي العربيّة تحت حُكمٍ دكتاتوريّ، بينما زعم الأتراك أنّ العرب طَعَنوهُم من الخلف.

ما زال هناك بعض الكراهية لفكرة الحُكمِ العثمانيّ بين العرب، ولكنّ كثيراً من المسلمين اليوم يشتاقون للحُكمِ العثمانيّ، وإلى يومنا هذا يتم تذكّر أيقونات العثمانيّين عند العرب: أبرزهم محمّد الفاتح الذي فَتَح القسطنطينيّة وعبد الحميد الثّاني الذي لَم يتردّد برفض إعطاء فلسطين لبني صهيون. بالرّغم من وجود بعض الكُره للعثمانيين، فإنّ العلاقات بين العرب والأتراك في القرن الواحد والعشرين تُعتَبَر ودّيّة وحميمة. تطبيعُ الأسس الإسلاميّة التي وحّدت الأتراك والعرب في قديم الزّمان ما زالت هي جوهر العرقين، غاضّين الطرف عن الوطنيّة.

بعد محوِ أتاتورك للرموز والأعلام الإسلاميّة للدّولة التركيّة، أرجع أردوغان كثيراً منها، وركّز على أهميّة دور العرب في الدّولة الإسلاميّة ومركزيّتهم في الدّين الإسلاميّ كَكُلّ. لذلك يحظى أردوغان بمحبّة من العرب.

نقدٌ لأجندة أردوغان

كما ذُكِرَ سابقاً، فإنّ النّقد العلمانيّ لأردوغان يدور حول "إسلاميّته" بأنّها شديدة البروز، فالعلمانيون يؤمنون بفصل الدّين عن الدّولة ليكون النّظام أكثر فعاليّة، والتركيز على حفظ حقوق الإنسان وحريّة التعبير والصحافة. لا يريد العلمانيون رؤية دولة عثمانيّة مجدداً، فقد أصبحت من التاريخ، لذا يقلق بعضهم حيال تحويل تركيا إلى دولة إسلاميّة مركزيّة في المنطقة.

بحسب رأي المسلمين، بغضّ النظر عن أنّ أردوغان قائد عظيم لدولته، وبغضّ النظر عن الدّين، فإنّه يُخطئ ويُصيب، ولديه الكثير من الهفوات – إمّا دينيّاً أو إستراتيجياً وسياسياً، ولكنّه يعمل لأجل دولته وأمّته، على عكس رؤساء الدّول العربيّة. ليس أردوغان بالمَلَك ولا بالمعصوم، ولكنّه يستحقّ الثناء على جهده الوطنيّ لبلده، فقد حوّل تركيا إلى قوة عظمى في السّاحة الدُوَليّة. مقارنةً بالسيسي في مصر أو الأسد في سوريا أو بن سلمان في السعوديّة، يُعَدُّ أردوغان قائداً عظيماً.

أمّا بالنّسبة للإسلاميين، فَيَدُورُ نَقدُهُم حول أردوغان أنّه غير إسلاميٍّ كما يجب. نظرتُهُم للحُكمِ الإسلاميّ تقول بأنّك إن أردتَ أن تحكمَ بالإسلام، أو أن تكون "قائداً إسلاميّاً" فعليكَ الحُكمُ بالإسلام حرفياً، لا أن تطبّق بعض الأحكام والقوانين وتترك البعض الآخر.

هناكَ جدلٌ مستمرّ حول هويّة أردوغان الحقيقيّة – ليس كمسلمٍ، بل كقائدٍ إسلاميّ. المسلمون الذين ينادون بمذهب الواقعيّة يؤمنون بأنّه مسلمٌ بالاسم فقط. صحيحٌ أنّه يمارس الطقوس الدينيّة كفردٍ مسلم، لكنّ ذلك لا يعني أنّه يُفكّر بالإسلام أوّلاً في كلّ قراراته. عندما يكون الأمر مناسباً، يقفُ أردوغان وراء غطاء الإسلام، وعندما لا يكون كذلك، لا يقوم حتّى بذكره.

سواء كنتَ من مؤيدي أردوغان أو من معارضيه كمسلمٍ أو ملحدٍ أو أمريكيٍّ ساخط، فقد أثبت أردوغان أنّه من أقوى القادة العالميّين اليوم في عدّة مجالات: السياسيّ والإقتصاديّ والدّينيّ. ومع كونه بشراً، له زلّاته وهفواته، لكنّ إنجازاته وتفوّقاته تفوقها بقوّة. يختلف ذلك إن نظرت للأمر من زوايا أخرى.

Image by Pau Casals

أضِف تعليقاً...