النهضة

مدوّنة عربيّة

فلنبدأ بتعريفٍ قصير بماهية الإنجيليّة. تسمّى باللّغة الإنجليزيّة Evangelicalism، وهي حركة نصرانيّة (مسيحيّة) من ضمن مذهب البروتستانت المحافظ، نشأت في القرن الثامن عشر في أوروبا وأمريكا. باختصار، هي حركة تؤمن بوجود دولة مسيحيّة خالصة، مبنيّة على أعلويّة النصّ الإنجيليّ والمعتقد النصرانيّ. بالإضافة لذلك، تؤمن هذه الحركة برجوع المسيح المخلّص، أو الـقدوم الثـاني للمسيح، وعليه تبني مخطط التهيئة لقدومه. تسمّى هذه الحركة أيضاً باسم المسيحيّة الصهـيونــيّة، وهي من أكبر الداعمين لدولة إسرائيل في السياسة الأمريكية. قد يظنّ البعض أنّ مثل هذه الحركات ليست إلّا حركات نظريّة بلا توجّهات وأجندات فعليّة ملموسة. لكنّ هذا البعض سيتفاجئ حين يعرف أنّ الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب من أكبر الإنجيليين، وأنّه محاط في البيت الأبيض بأشخاص همّهُم الوحيد هو تأكيد استمرار النبوؤة التي يعمل عليها ترامب.

إذا ما نظرنا للحملة الرئاسيّة لدونالد ترامْب لانتخابات عام 2016 يزول العجب؛ فلطالما أكّد ترامْب على هويّته المركزيّة كمواطنٍ أمريكيّ معتنق للدين المسيحيّ، يؤمن بمفاهيم الرأسمالية والديموقراطيّة، و(لربما) نقيضها: أعلويّة العرق الآري واللون الأبيض، وسموّ المعتقد النصرانيّ على باقي الديانات. هذا هو الرئيس الأمريكيّ باختصار. لكنّ ترامب ليس الأوّل، فقد سبقه باراك أوباما وجورج بوش، فما الذي يميّز ترامب عن غيره؟

لنتفق أوّلاً على هذه الحقيقة: أكبر إرهابيّ في العالم اليوم ليس داعش، وليس طالبان، وليس حركة القاعدة. إنّ أكبر إرهابيّ في القرن الواحد والعشرين (وحتى قبل ذلك بـِ3 قرون) هي الولايات المتّحدة الأمريكيّة بلا منازع، وإذا ما أردنا إحصاء عدد القتلى والجرحى والمشرّدين ومسلوبي الهويّة، فلن تسعفنا أطول فاتورة حرب. أمريكا هي المسبّب الأول للحروب في الشرق الأوسط، ولا زالت تعبث في دول أمريكا اللاتينيّة منذ أن نشأت واقتتلت مع المكسيك عام 1846 وعزمت على "شراء" جزيرة كوبا من إسبانيا كدولة عبيد (slave state) عام 1854 فيما يُعرَف باسم بـيان أوستند. مهّد هذا كلّه، مع الحروب والأزمات في أمريكا اللاتينيّة التي كان لها رابط مع الولايات الأمريكيّة إلى الحرب الأهليّة الأمريكيّة. أقدم العالم على الحرب العالميّة الأولى ومن ثم الثانية، وتسلّقت أمريكا سلّم القوى العظمى حتى أصبحت مهيمنة (hegemon) في كل المجالات ومؤثراً مباشراً في دول العالم الضعيفة. هكذا أخذت أمريكا حريّتها بالتدخّل لإنقاذ دول العالم المتهالكة كالعراق وتعريفها بالديموقراطيّة السّمحة في بدايات القرن الواحد والعشرين. كلّ هذا بعد أن كانت (وما زالت) تطضهد الأفرو-أمريكيين والأقليات، وتعاني من أزمات إجتماعيّة تنخر بعمودها الفقريّ على مهلٍ - وها هي تحصد الثمار بعد مقتل جورج فلويد.

بدأ ترامْب مسيرته السياسيّة في قرابة عام 1987. كان قبل ذلك رجل أعمال مشهور، ورث إمبراطورية أبيه، وأضحوكة تلفزيونيّة. تَسَجَّلَ ترامب كجمهوريٍّ عام 1987، وانتقل مرتين منه؛ إلى حزب الإصلاح مرّة وإلى الحزب الديموقراطيّ بعدها، ثم رجع إلى حيث ينتمي: الحزب الجمهوريّ. حاولَ الترشّح للرئاسة عام 2000 ممثلاً عن حزب الإصلاح ولم يحظى بدعمٍ كبير - فانسحب. لم تكُن لديه أي فرصة أمام جورج بوش. في عام 2004 فكّر بالترشّح مرة أخرى، لكنّه لم يقدُم على ذلك. أمّا في عام 2008 فقد أيّد جون مكاين - المرشّح الخاسر أمام باراك أوباما. وصلنا لفترة حُكمِ أوباما. في عام 2011، وقد أكمل أوباما 3 سنوات في البيت الأبيض، دُعِيَ ترامب لـعشاء المراسلين السنويّ، الذي يضمّ كل مراسلي البيت الأبيض. في السهرة أقدم أوباما على السخرية من ترامْب، الذي كان يعمل مقدّماً في برنامج The Celebrity Apprentice الشهير، والاستهزاء به لأكثر من 5 دقائق، على وقع أصوات الضحك من حوله. مرّت 5 سنوات، وفاز ترامْب بانتخابات الرئاسة بعد أن أنهى أوباما 8 سنوات كاملة. هناك من يقول أنّ تلك الليلة كانت اللحظة الفاصلة في حياة ترامب، وعلى إثرها قرّر الترشّح للرئاسة. وبغضّ النظر عن أنّ ترامب نفسه قد دحض هذه النظريّة، إلّا أنّه ليس لديه من الحنكة السياسيّة والذكاء الإجتماعيّ أو العاطفيّ ما يؤهله للترشّح بأجندةٍ يريد بها مصلحة الشعب الأمريكيّ. صحيحٌ أنّ شعاره في إنتخابات عام 2016 كان "اجعل أمريكا عظيمة مجدداً" أو "أرجِع عظمة أمريكا" - Make America Great Again، واليوم شعاره "أبقِ أمريكا عظيمة" Keep America Great، وكأنّه أوفى بوعوده وحقّقَ آمال الشعب الأمريكي، الذي يهيج اليوم على إثر عنف الشّرطة المستمرّ ضدّ الأفرو-أمريكيين. ولكنّ هذه الشعارات لم تأتي من ترامب نفسه، فقواه العقليّة لا ترقى لأن تكون من مستوى طفلٍ في المدرسة الإبتدائيّة.