النهضة

مدوّنة عربيّة

كثيراً ما ألاحظ في مجتمعنا معاملتنا للأشخاص الإجتماعيين أو الفعّالين إجتماعياً على أنّهُم الوضع الإفتراضي لبني الإنسان، والأشخاص الهادئين والكتومين على أنّهم شواذّ عن القاعدة والطبيعة الإجتماعية.

فتجد أنّ كلّ الأهالي يشجّعون أولادهم على أنْ يكونوا أكثر فعاليّة ومشاركة إجتماعيّة، ويستنجدون بكل الوسائل على جوجل أو مجموعات "التربية الناجعة" على الفيسبوك لينقذوا ابنهم أو ابنتهم من وباء الهدوء ومرض السكوت الدائم؛ يظنّ معظمهم أنّ الإكتئاب قد غلَّفَ ولدهم: لا أصدقاء لديه، وقليلاً ما يخرج من البيت للقاء أحدهم، يحبس نفسه في غرفته طوال اليوم. لا يشارك في الحصص المدرسية، ولا يحب الخروج لمناسبات أو إحتفالات إجتماعية يشارك فيها كل من في عمره.

بيْدَ أنّ كلّ هذه قد تكون أعراضٌ لما يسمى "إكتئاب المراهقة" أو (teen depression)، إلّا أنّ هذه الظاهرة تحصل بشكل مفاجئ وبتغيّر ملحوظ على الشخص، فيحدث تحوّل كامل من "الفعاليّة الإجتماعية" إلى حالة من الإنغلاق أو (shutdown). هنا يجدر بك معالجة الـ"مشكلة".

أما الذين يُظهِرونَ هذه الأعراض من جيل صغير لا تتغير مع مرور السنين، فلم أجد لهُم اسماً تصنيفياً في اللغة العربية إلّا "الإنطوائيون"، "الإنعزاليون" وعكسهم "المنفتحون"، أما في الإنجليزية فهُم الـ(introverts)، والـ(extroverts). أمّا الأُوَل فهُم الذين تجدهُم في زوايا الغرف، لا يتكلمونَ إلّا عند الحاجة، ولا يشاركون أحاسيسهم مع من حولهم. تجدهُم بترقّب دائم لما يجري حولهم، كأنّ مهنتهم الإنصات والإستماع. لا يشاركون أحاديثهم، ويفضلون العزلة، ويودّ أحدهم لو استطاع الخروج من البيئة الإجتماعية المكتظة. لا يحبّون التجمعات، ويفضلون التكلّم بهدوء في مكان هادئ ومغلق. وعكس ذلك تماماً، المنفتحون. فتجدُهُم يتكلمون كلما سنحت لهم الفرصة، ويشاركون الجميع بكل ما يحصل معهم. لا مشكلة لديهم في الصعود على منصة أو مسرح والتكلم بعفويّة وأريحية تامّة.

في الغرب، يتمّ التعامُل مع كلّ من هؤلاء الأشخاص بطريقة مختلفة، وعلى الرغم من وجود تشابه بين طريقة المعاملة في كل المجتمعات مع هذه الفئات، إلّا أنّ ما يميزنا عن الغرب هو عدم وجود مشاركة في هذا الموضوع في العلم الإجتماعي أو النفسي. وبناءً على ذلك يتم التغافل عن أهميّة وجود هذا التكامل المجتمعي. عادةً ما يتم تصنيف الإنطوائيون على أنّهم "ضعيفي الشخصية" و"خجولين".

بحسب دراسات غربيّة، 75% من المجتمع الأمريكي "منفتحون" أو extroverted. وتشير دراسات إلى أنّ 60% من الأولاد الموهوبين هم في الحقيقة إنطوائيون، وبالرغم من كون المنفتحين عادةً ما يشغلون أكثر المناصب الإدارية في العمل، والشخصيات القيادية في المدارس، إلّا أنّ الإنطوائيون أفضل في التفكير الإبداعي.

لا يوجد فرق ملحوظ بين مستويات المعرفة الأساسية في اللغة أو الحساب بين الفئتين، ولكنّ يجدر الانتباه إلى طريقة استيعاب المعلومات والتفكير عند كلّ منهما.

تشير دراسة أجريت في جامعة جورجيا الشماليّة إلى أنّ المنفتحون يتفوقون في المهامّ التي تحتاج إلى معرفة إجرائية أو ما سموه بـ(procedural knowledge exams) كتحويل درجة حرارة من Celsius إلى Fahrenheit. أمّا الإنطوائيون فيحصلون على نتائج أعلى في مستويات الـIQ أو معدّلات الذكاء، لكونهم لا يتسرعون في اتخاذ القرارات والتفكير قبل المساهمة في أية مسألة.

بحوث أمريكية تشير إلى أنّ الإنطوائيون هم أفضل من المنفتحون في مجالات الإدارة، بالرغم من التفوق الإمبيري في الذاكرة قصيرة الأمد.

مجتمعنا يقدّر المنفتحون ويكافئهم. يفضل أرباب الأعمال وأصحاب المصالح الموظف المنفتح على الإنطوائي. يتمّ التعامل مع الإنطوائيين على أنّهم غريبين، وعلى العزلة أنّها مرض وخطر يحدق بصاحبها. أما الانفتاح على المجتمع فهو كامل الصحة.

في كتابها Quiet: The Power of Introverts in a World That Can’t Stop Talking، تقول سوزان كين أنّه "يتم إختيار المنفتحون لمناصب إدارية بشكل روتيني، بينما يتم غض النظر عن الإنطوائيون، بالرغم من أنّ باستطاعة الإنطوائيون تقديم نتائج أفضل. لا يُنظر إليهِم على أنّ لديهم قدرة قيادية."

وإذا ما نظرنا للتاريخ الإسلامي، كان السلف يفضلون العزلة عن الناس واجتناب مخالطتهم - خاصةً في حال فساد الناس في دينهم. فعن أبي الدرداء قال: «نِعْمَ صَوْمَعَةُ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ بَيْتُهُ، يَكُفُّ فَيهِ نَفْسَهُ، وَبَصَرَهُ، وَفَرْجَهُ، وَإِيَّاكُمْ وَالْمَجَالِسَ فِي السُّوقِ، فَإِنَّهَا تُلْغِي، وَتُلْهِي». وقال مكحول: «إِنْ كَانَ فِي مُخَالَطَةِ النَّاسِ خَيْرٌ، فَإِنَّ فِي الْعُزْلَةِ سَلَامَةً».

 - مصادر

شاركنا رأيك وقيّم المقالة.

أضِف تعليقاً...

Lone Walk

 إجتماع 

الإنطوائية والإنضوائية

الإجتماعيّة

 ✍️ طارق غره 

 📅 30/12/2019 

هل أنت إنطوائيّ أم إنضوائيّ؟ العِلمُ يقول بأنّك خليطٌ من الإثنين بطُغيان أحدهما على الآخر. لكن هل لذلك تأثير على الذكاء الإجتماعيّ وعلى الأداء الوظيفي؟ ولماذا نعتبرُ الإنطوائيين مجانين؟